مذكرات عمي احمد رجل الشرطة المشهور – الحلقة الرابعة –

ينما كنت في تربص تخصصي “انقاد و إخلاء” أمرنا للتوجه الى ملعب 5 جويلية الذي كان في طور الانجاز و في حالة ورشة ، فلم يكن يترأى لنا آنذاك سوى موقع تحيط به المتارس و الخنادق التي تم حفرها لإقامة أسس البناء

و قد تم استقدامنا في عين المكان للاطلاع و معرفة المواد الخاصة بالأشغال العمومية التي ستستخدم و الأدوات التي يمكن استخدامها في حالات الكوارث الطبيعية أو الاضطرابات ، و بينما كان أحد الشباب و هو جزائري يقوم بتقديم شرح مفصل لدور الآلات و التجهيزات ، فإذا بنا نتفاجأ بشخص الرئيس المرحوم هواري بومدين الذي ارتأى أن يقوم بجولة و يزور الورشة و يتوقف بينما كان الموكب الرئاسي مارا قرب المكان.
بعد أن وقفت سيارة الرئيس بمقربة من الورشة نزل منها ليستفسر عن الأمر شخصيا و يطلب معلومات وافية لمعرفة درجة تقدم الأشغال ، ثم جلب اهتمامه تواجدنا هنالك فقام بالاستفسار أيضا عن سبب حضورنا الى ورشة انجاز الملعب، لقد كانت لحظات مؤثرة بالنسبة لي حقا.
مع مرور الوقت بدأت أعتاد على جو الملاعب خاصة و أنني أصبحت معروفا و مألوفا من الجمهور الى حد كبير، لقد أضحت شعبية كبيرة في أوساطهم بعد أن أصبحت أحتك بهم طويلا و بصورة دورية في الملاعب و أعايش لحظاتهم الشيقة في أوساط الجمهور ، و لذلك اكتسبت احترامهم و تقديرهم  لدرجة قدرتي على تهدئة الخواطر و  التقليل من الضغط الناتج عن حرارة المباريات ، خاصة في الفترات التي تكون  فيها الأعصاب متوترة و في أوجه الى درجة العنف .
                                                                                                                                                                                                                                                     لم يكن الاحترام الذي يكنه لي المناصرون و المشجعون اعتباطيا و لم يأتي ذلك من فراغ أو عن طريق الصدفة إنما كان الأمر يتعلق بحب و تقدير متبادلين نتيجة التعامل و سلوكي اتجاههم و الذي ألخصه بما يلي:
1- حينما كنت أجتمع مع زملائي و رفقائي قبل انتشارهم في الملاعب ، كنت أركز مرارا و أشدد عليهم لإفهامهم بأنهم عليهم أن يدركوا بأننا سنضمن تغطية مباراة في كرة القدم و أ مهمتنا الأساسية تكمن في ضمان الأمن و النظام و لكن مع التشديد بين ضمان خدمة الأمن و حفظ الأمن .
2-يكمن الدور المنوط إلينا في ضمان تأمين المشجعين و المناصرين لا قمعهم.
3-أن الأمر يتعلق بمجرد مقابلة في كرة القدم لا مظاهرة مناوئة و بالتالي فان المظهر الأساسي يف مثل هذه المباراة هو ضمان الفرجة و السماح للمتفرجين و الحاضرين بالاستمتاع و الحضور للمباراة و هم يشعرون بالأمان و الاطمئنان.
4- عدم استفزاز  كل من يغني أو ينشد أو ينزع أقمصته تعبيرا عن الفرح أو الرقص.
5- تفادي حجز و مصادرة أعلام و شعارات المناصرين لفرقهم باستثناء أولئك الحاملين لأعلام دول أجنبية، أما دخول الأعلام التي لا تمس بالسيادة الوطنية فتتم بصورة عادية بشرط  أن تكون معلقة أو مثبتة بقصب رقيق دون أن يكون عمودا خشبيا أو حديديا.
6- السماح بدخول أدوات موسيقية خاصة التقليدية منها مثل الطبل و غيرها لخلق جو من الفرجة و الفرحة في المدرجات.
7- تفادي استعمال العصي أو ضرب أي شخص وسط الجمهور أثناء توقيفه ، أو أثناء اقتياده باتجاه شاحنة الشرطة أو مراكز الشرطة، لأنه في حالة القيام بذلك فان هنالك احتمال لتأليب كافة الجمهور المتواجد بالملعب ضدنا.
كما كنت  أوصي دائما بتجنب اهانة أو تعنيف أو الاعتداء على أي شخص بحضور  أبنائه .
8- التحرك بصورة ذكية و بفطنة بالتنسيق مع أعوان الأمن الذين لا يرتادون الزي الرسمي من خلال العمل وسط المدرجات ، حينما يتعلق  الأمر بالقبض على شخص في حالة سكر و متسبب في إحداث فوضى أو إخلال بالنظام العام.
9- الحضور مبكرا الى الملعب لاستقبال و توجيه المناصرين و المشاهدين و تنظيم  الدخول من خلال تسيير حركة دخول الطوابير و تفادي استخدام العصي بالخصوص.
10- عدم إظهار أي ميول لرقي من الفرق و البقاء على الحياد، خاصة إذا كان الفريق يلعب في الفترة التي نكون فيها في الخدمة لحفظ النظام.
هذه التوصيات أو لنقل الوصايا نذكرها مرارا للجميع قبل كل مباراة و في كل الملاعب ، لقد كنت أسعى للتركيز و التشديد على ضرورة التعاون مع عناصر و أفراد لجان المناصرين ، إذا كان هؤلاء موجودين و حاضرين في الملعب ، و قد استطعت بفضل هذه الطرق أن أسير و أتعامل بطريقة مثلى في الملاعب و بالأخص مع المناصرين و المشجعين و أقترب أكثر من الجماهير على العموم و أن أكسب ودهم و احترامهم و ثقتهم ، خاصة و أن من أنيط له مهمة تسيير التدابير الأمنية بالملاعب قبلي أقر إجراءات صارمة و سلسلة من التدابير التي تضمنت بالخصوص قائمة كبيرة من الممنوعات .

تطور الأوضاع  السياسية
مع بداية الثمانينيات ، لوحظ بروز مخاض سياسي جديد و تطور يلوح في الأفق على هذا الصعيد، فالمعارضة السياسية التي نشئت و بدأت تتطور خلال هذه الفترة بدأت تصعد أكثر من أعمالها و تحركاتها و لكن الأمر ظل لفترة في ظل السرية ، و لكن مؤشرات ذلك كانت تتضح يوما بعد يوم ، حيث أضحى الأمر جليا في كل ليلة نعثر فيها الكتابات التي تتضمن مطالب و انتقادات ترسم على جدران ، و قد بدأ الأمر يأخذ أبعادا الى درجة أن فريقا خاصا شكل على مستوى المحافظة المركزية بالمصلحة العامة ، و كلف الفريق بمسح كل هذه الكتابات الحائطية حالما يتم الإشعار بوجودها .
و بعد الكتابات برزت  الهتافات و الشعارات التي كانت تمرر و تردد في الملاعب و بالأخص في ملعب 20 أوت ، حيث ظهرت لأول مرة أثناء مباراة لكرة القدم جمعت ليلا بين رائد القبة و شبيبة القبائل ، في تلك الفترة لم يكن متاحا إجراء المقابلة في ملعب القبة لعدم صلاحية و جاهزية الملعب لذلك قررت الفدرالية الجزائرية لكرة القدم برمجة المقابلة الرياضية في ملعب 20 أوت ، على الرغم من أن  خلافا بين شبيبة القبائل و شباب بلكور كان قائما في تلك الفترة ، حيث تحجج مناصرو و مسيرو شباب بلكور بأنه أسيئ استقبالهم في تيزي وزو و أنهم تعرضوا للاعتداء و لأعمال عنف لدى انتقالهم الى مدينة تيزي وزو .
و على اثر ذلك تم إشعار الفدرالية الجزائرية لكرة القدم و المديرية العامة للأمن الوطني بالأمر من قبل شبيبة القبائل ، حيث طالبت هذه الأخيرة تشديد التدابير و الإجراءات الأمنية لتأمين و حماية اللاعبين و المسيرين ، بعدها تم استدعائي على وجه السرعة من قبل المسؤولين المباشرين عني ، حيث تم إشعاري بضرورة اتخاذ كافة الإجراءات الضرورية و المناسبة لضمان أن تجري المباراة في ظروف أمن قصوى و تفادي حدوث أية اضطرابات أو اعتداء.
عشية إجراء المباراة توجهت الى ملعب 20 أوت و نظمت هنالك اجتماع عمل مع  مدير الملعب ، و اتفقنا خلاله على اعتماد تدابير وقائية و أمنية ، بعدها و بينما كنت موجودا بحي بلكور آثرت لقاء مسيري و مناصري شباب بلكور ، و أبديت صرامة كاملة تجاههم، إذ أكدت بأنهم ما داموا غير معنيين بالمباراة فان الأنسب و الأجدر بقائهم حياديين ، أيا كانت المبررات المقدمة سلفا و بالتالي تفادي أي اضطراب أو إخلال بالنظام العام أثناء المباراة .
في اليوم الذي برمجت فيه المباراة و كالعادة توجهت باكرا الى الملعب رفقة الطاقم المكلف بضمان الأمن ، و قد عمدت الى التكفل بكل المداخل و المخارج الخاصة بالملعب ، فضلا عن المدرجات و حديقة التجارب بالحامة ، إضافة الى النفق المؤدي من غرف تبديل الملابس الخاصة باللاعبين الى الملعب.
و قد حضرت شخصيا الى عملية تنظيم الطوابير و التصفية و التمييز حيث يمنع عدد من المناصرين على مستوى مداخل الملعب ، خاصة أولئك المعروفين بوقوفهم وراء أعمال شغب أو تحريض في الملاعب ، وقد كنت أعرف  بعض هؤلاء الذين كانوا يناصرون شباب بلكور  و قد أدركت بأنهم يسعون لحضور و المباراة و الدخول الى الملعب لإحداث الفوضى و الاضطراب أو التسبب في حوادث ما ، كنت أقف دوما أمام المدخل الرئيسي ، وقد قررت أن أتولى مهمة حماية وفد شبيبة القبائل بنفسي و أضمن تأمين دخول الوفد لدى وصوله ، كان الوفد يترأسه آنذاك موح شريف حناشي و محي الدين خالف .
و حالما وصل الوفد و انتبه محي الدين خالف و موح شريف حناشي بوجودي قاما بتوجيه التحية لي و أسر الي بأن حضوري طمأنهم و أنهم يشعرون أكثر بالأمان .
بدأت المباراة بحضور جمهور غفير ، و كنت أرغب دائما في تطمين مسيري الشبيبة و عليه قمت بالاتصال مجددا بخالف محي الدين و حناشي  بعد انتهاء الشوط الأول من المباراة لأقوم بطمأنتهم مجددا ، خاصة و أنه تم تدعيم التدابير الأمنية  مع تدعيم الرفق التي حضرت لتأمين المباراة ، و أشرت إليهم بأن  تدعيم تعداد أعوان الأمن حول الملعب و داخله تم لضمان سلامة الوفد و أمنهم و حمايتهم.
بعد استئناف المقابلة و بينما كان كل شيء على ما يرام،  إذا بشعارات و أهازيج ذات نبرة سياسية تبرز فجأة من المدرجات ، خاصة من المكان المعروف تحت تسمية “المنعرج” التي تتسع ل 4000 مكان ، وقد بدأت الأصوات تتعالي مرددة بالخصوص “ولاش ولاش صابون حجرة ، ما كانش”  و “عمي احمد أعطينا الباسبور” أي جواز السفر .
 و كما أسلفت فان الجزائر عرفت خلال تلك الفترة وضعا خاصا ، حيث عرفت ندرة و نقص  في كافة المجالات و الميادين ، خاصة المواد الغذائية مثل السكر و القهوة و البقول الجافة و الطماطم المصبرة و الصابون الخ… أما جوازات السفر التي كانت تسلم عادة من قبل الولاية فقد كانت شحيحة و قلقلة و كان الأمر يستلزم مبررا صلبا و قويا للحصول على الوثيقة.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة