مصعب بن عمير (2)

مصعب بن عمير (2)

أقيمت الصلوات في يثرب. وتقارب الإخوة المتشاكسون من الأوس والخزرج بسبب الرابطة الدينية التي جمعت بعضهم. ومع ذلك لم يتوقف مصعب بن عمير عن أداء واجبه في الإتصال بكل فرد وكل حي يمكنه الوصول اليه من أجل إبلاغه دعوة الإسلام.

كان مصعب مقيما مع أسعد بن زرارة، وهو واحد من أعضاء الوفد الأول من أبناء الخزرج الذين لقوا النبي في مكة واقتنعوا برسالته ودخلوا معه في دين الإسلام. وذات يوم من الأيام اقترح أسعد على مصعب زيارة حيين مهمين، دار بني عبد الاشهل، ودار بني ظفر، والحديث مع الناس هناك حول الإسلام.
لكن هذه الخطوة لم ترق لزعيمين كبيرين من زعماء الحيين ومن زعماء المدينة كلها بشكل عام: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وكلاهما مشرك. قال سعد لأسيد إنه لا يرحب بزيارة الوفد الإسلامي للمنطقة ويخشى من تأثيرهما على السكان، واقترح عليه أن يتوجه نحو مصعب بن عمير واسعد بن زراره ويطردهما ويحذرهما من مغبة تكرار الزيارة. واعتذر سعد عن عدم قيامه هو نفسه بهذه المهمة بسبب علاقة قرابة بينه وبين أسعد.
أقبل أسيد بن حضير على الوفد المسلم الزائر متوشحا سلاحه، وكان أسعد قد قدم لمصعب تعريفا سريعا بالرجل وبين له أنه سيد بارز مطاع في قومه. استعد مصعب، وكان هدفه الأول والاساسي أن ينجح في إقناع الزعيم الغاضب بالدخول في جلسة حوار. هكذا كان شأن المسلمين في أغلب الأحوال قديما وحديثا: طلاب حوار بالحجة والدليل، لأن دخول الإسلام بالإكراه باطل لا قيمة له، وقاعدة العقيدة في الإسلام أن يختارها الإنسان الحر بقناعته الحرة.
قال أسيد في نبرة غاضبة يخاطب مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة ويهددهما بالقتل: “ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره. قال أنصفت. ثم ركز حربته وجلس إليهما.
فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن. فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله. ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله. كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تصلي. فقام واغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين. ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ. ثم أخذ حربته وانصرف الى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم”.
في ساعة حوار تحول عدو بارز من أعداء الإسلام الى داعية من دعاته. عندما أزيحت الحواجز التي أقامتها أمامه الدعايات الزائفة المضللة، أشرق قلبه وأضاء وجهه بنور الإسلام. أمر يذكر بمسيرة كثير من الذين يدخلون دين الإسلام في هذه الفترة. إذ ما أضخم الحملة الإعلامية على الإسلام وأعتاها وأقواها في أكثر من مكان، الى درجة أن بعض الساسة المتعصبين في النرويج دعوا صراحة الى منع الإسلام في أوروبا وتجريم معتنقيه!! ومع ذلك، أو بالرغم من ذلك، تأتي الأخبار منتظمة عن إقبال كثير من الناس، المنتمين لثقافات ولطبقات أجتماعية مختلفة، على اعتناق الإسلام.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة