منحتها كل غال ونفيس فكافأتني بأن جعلتني تعيسا
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
سيدتي الكريمة.. اسمحي لي أن أحيّيك على الجهود الكبيرة التي تقومين بها في سبيل تنوير دروب التائهين والحيارى مثلي، ونظرا لثقتي الكبيرة فيك؛ ها أنا أراسلك وأضع بين يديك مشكلتي التي أرهقتني وجعلتني قاب قوسين أو أدنى من أن أتذوّق طعم السعادة وأنا في أرذل العمر.لا أخفيك سيّدتي.. أني لم أتزوّج إلا وأنا في العقد الرابع من العمر، حيث تعبت من أجل تكوين نفسي وتأمين مستقبلي؛ حتى أضمن للزوجة التي أرتبط بها كل سبل الحياة السعيدة، فأوكلت مهمة البحث عن العروس التي تتوج سنوات تعبي وشقائي بمنحي السعادة الأبدية لعمي الذي أثلج صدري بجعلي أصاهر عائلة مرموقة تشرفني، فحمدت الله كثيرا على أني نلت مناي، خاصة وأن من ارتبطت بها على قدر كبير من الجمال والأخلاق.صدّقيني سيدتي، أصارحك بأني وعلى الرغم من وسامتي وأخلاقي إلا أنه لم تكن لدي علاقات عاطفية في السابق؛ حيث إني لم أكن لأفتح قلبي لأية فتاة، تيقّنا مني بأن القلب لا يجب أن ينبض إلا مرّة واحدة لشريكة الحياة، إلا أني وجدت نفسي وبعد زواجي أهيم بزوجتي التي وعلى الرغم من فارق السّن الكبير الذي بيننا، فكانت الوردة التي تزيّن حياتي وكل أيامي بعبقها وأريجها، ولم أكن أخل حياتي من دونها.مشكلتي بدأت سيدتي بعد نقاش حميمي دار بيني وبين زوجتي، حيث صارحتني وبكل تلقائية بأنها لم تتمكن من حبي؛ كما أنها لم تكن لتقبل بزواجها مني لولا ضغط ذويها عليها، لا أخفيك أن الأمر هالني لدرجة لا يمكن تصوّرها.. إلا أني تمالكت نفسي يومها على الرغم من كل الألم والأسى الذي انتابني.وحتى لا أظلمها، قلت في قرارة نفسي بأن الوقت كفيل بجعل هذه الزوجة تغرم بي؛ وباشرت بالتودّد إليها من خلال الهدايا والخرجات والإنفاق عليها ببذخ، ظنّا مني بأني سأكسب قلبها من خلال العشرة؛ على اعتبار أنه لم تكن بيننا علاقة مسبقة، وعلى اعتبار أن التعوّد يؤلّف بين القلوب.مضت الأيام على وتيرة أتعبتني، حيث كنت أمنّي نفسي دائما بغد أفضل، إلا أن كل جهودي في سبيل الظفر بقلب زوجتي ذهب هباءً منثورا، حيث تفاجأت برفيقة دربي ذات يوم تغادر إلى بيت ذويها رافضة العودة إلى عشّ الزوجية على أساس أن الحياة إلى جانبي مستحيلة، فهي الفتية التي تريد بناء حياتها إلى جانب من يناسبها سنا ومن يتمتّع بكثير من التفتّح والحيوية عكسي أن الكهل الذي سوّلت لي نفسي -حسبها- أن أرتبط بصبية سلبتها أجمل سنوات عمرها، ولعل ما قتل كل جميل في قلبي أن حماي المصون أخبرني بعد أن التمس مني رفضي لتطليق كريمته، بأنه سيباشر إجراءات طلب الخلع حتى تستطيع ابنته الظفر بحرّيتها.لقد فقدت طعم السعادة سيّدتي.. فكلّ الطيبة والصفاء اللذين كانا في قلبي تجاه زوجتي إلا أني لم أفلح في نيل السكينة والفوز بقلبها، هجرها لي بهذه الطريقة المخزية التي حطّت من قيمتي وطعنت كبريائي في الصميم، فهل يجوز لرجل منح كل ثمين غال؛ لمن لا أحد له في الحياة سوى زوجته أن يكافئ بهذا الجزاء؟، أنا في حاجة إلى من يرفع من معنوياتي؛ لأني على حافة الإنهيار.
المعذّب من العاصمة.
الرّد:
أكثر ما قد يُدمي الفؤاد الصادق والمحبّ أن لا يعترف بمن يشمله بالخير وحسن الصنيع، وهذا تماما ما يحدث لك، حيث إنه وعلى الرغم من كل الحب الذي كنت تكنّه للزوجة التي كانت أول من ولجت قلبك وحياتك، إلا أنها وللأسف لم تقدّر النعمة التي لم تكن تحلم بها أبدا، والدليل أنها رفضتها ورمتها بكلّ جحود وإنكار.لا يختلف اثنان أن التجربة مريرة لدرجة لا يتقبّلها العقل ولا القلب، ومن المؤكد أنها ستترك فيك الكثير من الذكريات الأليمة، وعلى هذا الأساس أنصحك بضرورة تقبّل الوضع والتعاطي معه بكثير من الشجاعة، خاصة وأن سبل إصلاح ذات البين بينك وبين أهل الزوجة التي هجرت عشّها الجميل بلا سبب مقنع؛ بات مستحيلا لوقوف والدها إلى جانبها في مسعاها الجنوني الذي سيدخلها خانة المطلقات وهي في سنّ الزهور.لا تبك على من لم يقدّرك أخي، ولا تذرف دموع الندم أو الحسرة على فتاة لم تمنح نفسها فرصة التوغّل في قلبك الطاهر البريئ لتعرف مدى حبك لها وتقديرك لعمرها الذي ستفنيه إلى جانبك.تيقّن أخي.. أن هذه الفتاة لا تستحقّك، حيث إنها حقا لو كانت عميقة التفكير وبعيدة النظر لاستجابت إلى محاولاتك المستميتة في كسب رضاها وقلبها، ولو كانت حقا مسؤولة وأهلا لبناء بيت وتكوين أسرة لما فضّلت على رجل في منتهى العقل والصدق شابا قد لا يمنحها لقب زوجة ويصونها في الحلال، بقدر ما ستجده يعبث بها ويعذّبها باسم الحب.لا تفكر أخي فيما سيؤلمك ويؤذيك، وعوض ذلك فكّر في غد أفضل سيجمعك بمن تستحقّ الحياة إلى جانبك فتمنحك السعادة التي طالما كنت تنشدها، وتذكّر أن كل ما نمرّ به في حياتنا لا يعدو أن يكون تجربة نستفيد من خلالها؛ حتى نتمكّن من اختيار ما هو أنسب لنا في المستقبل، وحتى نتمكّن أيضا من معرفة طباع الناس والتوغّل في قلوبهم، وليكن حسبك قول الشاعر:
لا تبك على خلّ إلا إذا كان طبع الوفاء فيه
فبعض الناس كالتاج نلبسه وبعضهم كقديم النعل نرميه.
وكان اللّه في عونك أخي لتجاوز محنتك والوقوف على رجليك من جديد.
ردّت نور.