من اتّبع طريق العلم.. فقد اتّبع طريق الحق

 من اتّبع طريق العلم.. فقد اتّبع طريق الحق

عرضت إحدى القنوات التلفزيونية العربية حادثة لا تبدو غريبة.. وصمة عار أكثر مما هي صحية، وهي عن إحدى القرى في دولة فنلندا، عدد سكانها يقارب الأربعين ألفا لا أزيّد.

وفيها خمس كنائس بالتمام ومعبد يهودي واحد، استقبلت هذه القرية ما يزيد عن عشرين ألف لاجئ سوري ممن شرّدهم «نظام الأسد»، وفي جانب إنساني محض، اتفق سكان وأعيان هذه البلدة الصغيرة، التنازل عن إحدى الكنائس ووضعها تحت تصرف المسلمين كمصلى يومي، عسى أن يتدبروا شؤونهم فيه ويؤدوا شعائرهم، لكن لم تدم هذه النعمة إلا ثلاثة أيام، حيث وبعد أن صلّى الجميع أوقاتهم بانتظام في اليوم الأول، وقبل أول صلاة الجمعة، حدثت معضلة كبيرة، وهي أن الخصومات طفت على السطح بين عدد من السوريين العرب حول من له الحق في الإمامة، إلى درجة أن حدثت اشتباكات علانية، مما استدعى تدخل الشرطة لتفريق المتخاصمين.

مشايخ هذه البلدة وقساوسة الكنائس، اتفقوا على قرار صائب، وهو غلق هذا المسجد وإعادته كما كان عليه، وهو الكنيسة الخامسة، وأكيد أن الجميع فهم المغزى واسترسل خياله في التفاصيل من دون أن نذكرها، وخلد بذهنه أن العرب يستحيل أن يكونوا ديمقراطيين ومتعايشين مع أقرانهم، على الرغم من أن مقاصد دينهم الحنيف تدل على ذلك..{وأمرهم شورى بينهم}، {وخلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}، وأن الاختلاف رحمة.. وربما تجد كثيرا من هؤلاء اللاجئين يحفظونها وربما حتى من يحفظ القرآن كاملا، لكنهم يخافون أو يتناسون حتى لا نقول يتعمدون ويتجاهلون تطبيق مفاهيمه وقيمه على أرض الواقع. ومن هنا كانت الفوارق متباينة بيننا كأمة مسلمة حباها الله بدين عظيم، لكنها للأسف لا تعمل بمنهجه، بينما العكس نجده في الغرب وفي يومياتهم وكأنهم يطبّقون تعاليم الإسلام حرفا بحرف، وربما يتذكر الجميع مقولة العلّامة المصري محمد عبده يوم قال بعد عودته من فرنسا: «وجدت هناك إسلاما بلا مسلمين ووجدت هنا مسلمين بلا إسلام»، أي أن الدول العربية المسلمة بالخصوص لا تحمل إلا الصفة والنعت، وغالبا ما تتغنى بالشعارات المناسباتية، لكن في حياتها العامة تجد عكس ذلك تماما؛ تناطحات ودسائس.. ظواهر اجتماعية مخزية وأخرى بيئية مقززة، شجار وملفات في المحاكم يدل فحواها على أن أصحابها جهلة وقبائل بدوية تتعايش بفكر ما قبل الرسالة المحمدية، وكذلك جرائم في الأصول وتقاتل من أجل أتفه الأسباب أغلبها ودوافعها مادي بحت من دون ضمير أخلاقي أو إعما للعقل!

«نعيب زماننا والعيب فينا ولو نطق الزمان لهجانا»..

ولأن هذه الحكمة تظل خالدة خلود البشر، فكان لا بد لنا أن نشرب وننهل من فوائدها؛ لأنها تجيب بشكل مباشر عما وصلت إليه أحوالنا، والسبب الرئيسي في ذلك هو سوء تصرفاتنا، وعصبيتنا المتحكمة في سلوكنا اليومي من دون وعي، لذلك لا بكاء عن غريب فعل بنا ذلك أو طرف مجهول استخف بنا وضحك عن أحوالنا، فقط المشكلة فينا، نحن كعرب قاطبة يوم نُطلق وباسترسال العنان لغرائزنا وتقاليدنا البالية وبعض العادات الساذجة تفعل فعلتها من دون تبصّر أو تدبّر. من جهة لم أجد شخصا معتدلا في سلوكه إلا وجدته فهم القرآن فهما علميا، فمن حادثة فنلندا ــ وما خفي أعظم ــ يفهم الجميع أن المشكلة في بعض المسلمين، إذ يتصرف الواحد منهم من دون إدراك ووعي؛ لأن هذا لا يتطابق مع التعاليم الإنسانية أولا والإسلامية ثانيا، وأن المسلم يفهم النصوص والأحاديث بشكل ظاهري ليس إلا، فالذي  اتّبع طريق العلم فقد اتّبع طريق الحق، وهذا وحده يكفي كي نكون أمة علم وتبصّر، وساعون بجدارة إلى المعرفة مهما كان حجم مكانها وزمانها؛ لأن العاقل يعرف الأحكام والعدل وسبل الحق، لكن للأسف كان وبات الجزء العظيم من هذه الأمة يسير أعرج من دون دراية وفطنة منه، لا يتقبل النقد أو التعديل والتحديث، معتقدا بأنها بدع من صنع الآخر ويجب تحاشيها ومحاربتها، لذلك ظلّ يعتقد أنه يحمل مشعل الحقيقة، وهذا كله نتيجة الموروثات السيّئة والمقيتة التي سكنت جأشه وخاطره منذ قرون، واحتلت مساحات كبيرة من تفكيره، ولا يمكن تجاوزها إلا بقدرة قادر.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة