هــــــــــــل أتــــــــــــــــــــــــــــــاك حديث المقــــــــاهي

هــــــــــــل أتــــــــــــــــــــــــــــــاك حديث المقــــــــاهي

''يا خو واقيلا سعدان راح يحاوز شاوشي'' …''أرا قهوة بيان سيري''

….”والله المصاروة راهم ميتين بالشّر بعدما قطعنا عليهم الغار”….الزواج، شطب اسم حارس المرمى فوزي شاوشي من قائمة الفريق الوطني، الفتاوى الحلال والحرام التهاب الأسعار بل وحتى أسعار العملات الدولية، هي أحاديث تكوّن ذلك الضجيج الذي يزعج البعض ويستهوي البعض الآخر في المقاهي الشعبية، التي أضحت المأوى والمتنفس الوحيد الذي يهرب إليه الجزائري لتتحوّل إلى منزل ثان للمواطن وعيادته للعلاج النفسي. 

لا تخلو مدينة جزائرية ولا قرية ولا حتى حي من مقهى شعبي يجتمع فيه أصحاب الحي أو المارة لشرب كوب قهوة ”بيان سيري” والحديث عن كل شيء الحياة، السياسة، الحرڤة والفيزا وخاصة الرياضة، وهو ما يجعل الداخل لهذه المقاهي الشعبية أو كما يطلق عليها بالفرنسية ”كافي مور” يحسّ أنه قام بجولة عبر الجزائر وعبر التاريخ فلكل زبون طريقته في رأيه الأمور ويتحوّل فيها الزبون خاصة المدمنين على المقاهي إلى مختصين، سواء في الرياضة أو التنمية البشرية وعلم النفس فتجدهم يحلّلون شخصية الجزائري ويروون عيوبها أو يقومون بتقديم دروس في السياسة أو الرياضة… كل ذلك جعلنا نقوم بزيارة إلى عدد من المقاهي الشعبية في العاصمة، ورصد أجواء جزائر المقهى أو مقهى الجزائر. أول مقهى خطر على بالنا ونحن نخرج من قاعة التحرير كان مقهى ”المسجد” ببئر خادم في العاصمة، وهو مقهى عريق يتوسط ساحة البلدية ويقرب من المسجد، هذا المقهى الذي دخلناه  في حدود العاشرة والنصف صباحا، فوجدناه يعجّ بالزبائن فالنادل يجري بين طاولات الزبائن، وبهو المقهى لا يتسع لجموع ”القهاوجيست” وهو المصطلح الذي أصبح يُطلق على المدمنين على زيارة المقاهي والجلوس فيها. 

الفتوى بالتيزانة وفاتحة القران 

في طاولة تتوسط المقهى كان يجلس خمسة من كبار السن يحتسون أكواب الشاي الساخن التي كوّنت سحابة داخل المقهى، وقد لفت انتباهي إصغاؤهم لأحدهم الذي كان يلبس » قشابية « من الوبر ويضع على رأسه طاقية بيضاء، دفعني الفضول ”وهي طبيعة سيئة لكنها سلاح الصحافي” لفتح سماعة أذني لأعرف ما هو الموضوع الذي جعل الكهول يشردون مع الرجل ذي اللحية البيضاء وينسون ضجيج المقهى وصيحات النادل وهو يطل ”كاس حليب سخون وقرعة فيشي”، أول كلمة اخترقت سماعتي كانت ”…والله يعلم وأنتم لا تعلمون” حيث كان الشيخ يلقي درسا دينيا على أصحابه وكان موضوعا عاما فتحدث عن المعاملة في الإسلام والإخلاص والمساعدة والإحسان للجار، في البداية ظننت أنه مجرد لقاء بين أصدقاء متقاعدين أرادوا الفضفضة لبعضهم البعض، لكن الأمر تغيّر حين أخذ الشيخ الخطيب يتحدث عن الشهود وأركان صحة عقد الزواج فيسأل من وكيل العريس ومن وكيل العروس، فأدركت أنني سأشهد ميلاد أسرة جديدة ورابطة غليظة بين أسرتين ..لكن في مقهى، لا أنكر أنني سمعت بهذه الظاهرة أي قراءة فاتحة القران والعقد في مقهى لكنني لم أحظر ذلك من قبل، وأجمل ما لفت انتباهي هو اسم العروس التي تدعى » شهرزاد « وهو الإسم الذي كان ثقيلا على الإمام الذي وجد صعوبة في نطقه، فقلت في نفسي » شهرزاد « اسم الملكة التي دوخت الملك شهريار وتزوجت به في أكبر قصور الهند، لكن شهرزاد الجزائرية يُعقد قرانها في مقهى…، وبينما أنا أفكر في مفارقة شهرزاد، رفع الحضور أياديهم لتلاوة الفاتحة، ثم قام أحدهم وقَبَّل رؤوس الحاضرين بدءا بالإمام، فقال أحد الجالسين أمامي لصاحبه إنه والد العريس وهي عادة » ناس الشرق « حسب تعبير المعلّق، ثم ناد الشيخ والد العريس النادل قائلا ”جيبلنا حاجة حلوة نشربوها فال” قبل أن يطلب من الشاب النادل أن يشرب قارورة ”ڤازوز” على حسابه،  ثم عاد الإمام إلى درسه الذي شرع فيه قبل عقد قران العريسين.  

مقهى أم قاعة لمطالعة أخبار الخُضر ؟

مباشرة بعد نهاية ”الفاتحة” قمت ودفعت ثمن قهوتي عند القابض الذي كانت تبدو عليه مآسي الدنيا وكان يضع قبعة شتوية ”بوني” يغطي أذنيه وجزءا من عينيه لدرجة أنه لا يكاد يسمع المتحدث إليه، حيث كررت له كلمة ”فنجان قهوة” ثلاث مرات ليقبض عشرين دينارا، وهو ثمن القهوة من ورقة الألف دينار  التي أعطيتها إياه، فأمسك الورقة وتفحصها بأصابعه قبل أن يرفعها نحو جهة المصباح ويقلبها للتأكد أنها ورقة سليمة، وهو ما جعلني أعلق قائلا ”لا تخف هي ورقة سليمة وماشي مدرحة” فأجاب قائلا ”في البلاد هاذي كل شي مدرح” قبضت عليه الصرف وخرجت باحثا عن مقهى ثان وغير بعيد عن مقهى ”المسجد” لفت انتباهي مقهى كبير لا تكاد تسمع فيه لاغية، دخلت فإذا بجميع الزبائن يحملون جريدة أو أكثر، مطأطئي الرأس ومنهمكين في القراءة لدرجة أنني تذكرت قاعة المطاعة أيام الدراسة، وقليلا ما تجد إثنين يتحدثان وإذا تحدثا فلا يكون الكلام إلا عن مقالة قرأها أحدهما في جريدته الرياضية، فـ » الخضر « سلبوا  عقول هؤلاء الشباب الذين غزو المقهى، وأداروا ظهورهم للمصرف ”كونطوار” مقابلين الطريق العام وكأنهم في امتحان لشهادة البكالوريا، فلا أحد يجازف ويرفع رأسه للنظر إلى صحيفة زميله، فهذا يحدق في صورة زياني في جريدة » الهداف « وذاك يتمعّن في » مانشيت الشباك « التي كشفت المستور في بيت اتحادية كرة القدم، وآخر شارد الذهن يفكر في مستقبل الفريق الوطني في حال تأكد خبر إبعاد الحارس شاوشي من تشكيلة محاربي الصحراء، كل هذا جعلني أتقدم من شاب بعد أن طلبت كأس ”تيزانة” ساخن وتوجهت إلى طاولته، ألقيت السلام فرد دون أن يرفع رأسه ليشاهد الشخص الذي يقاسمه الطاولة، جلست وأخذت أحرّك السكر حتى تبرد ”التيزانة” فسألته عن ما جديد » الخضر « فقال ”الحالة لا متعجبش” فعرفت أنه ليس من العاصمة من لكنته الشرقية، فقلت هل أنت من بئر خادم فأجاب أسكن فيها منذ سنوات، هل تبحث عن خدمة فقلت لا مجرد فضول فقال إن كنت تريد أية خدمة فأنا أجيد العديد من الحرف كالرصاصة والبناء والدهن، فقلت نعم لكن أريد أن أعرف فقط لماذا الكل هنا يقرأ الجريدة، فسخر من سؤالي وقال ”ماذا تريدهم أن يفعلوا في هذا البلد على الأقل » يعمرو لقرع تاع ليكيب ناسيونال «، قبل أن يضيف كل هؤلاء الشباب ينتظرون فرصة عمل لكونهم ”زوافرة” ينتظرون أحد المقاولين أو » شاف شانطي « يبحث عن اليد العاملة للحصول على قوت يومهم.

سعدان وخالف ضد الدولار والأورو !

عندما خرجت من مقهى الزوافرة قررت العودة إلى الجريدة بعدما شربت كوبي قهوة وتيزانة، وأنا أسير في اتجاه محطة سيارات الأجرة توقفت عند إحدى المقاهي التي تقع في طريق جانبي وقررت أن أعاقب نفسي بقهوة ثالثة ”وخلي لي يصرا يصرا”، دخلت المقهى وإذا به ثمانية زبائن لا أكثر، منقسمين على قسمين أربعة في طاولة على اليمين تحت عداد كهربائي كبير من الحقبة الإستعمارية يتأرجح منه ”كابل” كهربائي سميك أسود، وأربعة شباب واقفين أمام صاحب المقهى في ”الكونطوار” في البداية توجهت نحو طاولة شاغرة جلست هناك وأخذت أتفقد المقهى الذي بدا من العصور الغابرة فالغبار لم يترك زاوية أو ركن في المقهى إلا وبسط فراشه عليها وزينها بلونه الترابي بل وحتى أن رائحته تستقبلك عند الباب خاصة إذا هب نسيم عليل ودخل عليك من نافذة المرحاض -أعزكم الله- ليصطحب معه نفحات من روائح يشمها أنف الميت، لدرجة أنني قررت الخروج والهروب بعد هذا الترحاب الملكي، لكن ”صماطة” الصحافي الذي سئم من الجلوس في مكتبه جعلني أقول في قرارة نفسي لا بأس أن أضيع المزيد من الوقت والجلوس هنا لعلي أكتب عن المقهى ”الأسطوري” في مقالتي، وأنا استمتع بهذه الأجواء التي يفتقدها المقهى الذي أتردد عليه كل مساء في منطقة سيدي يحيى، سمعت صراخا فإذا بأحد الجالسين يصرخ في وجه صديقه قائلا ”البوليتيك هو من يسر الكرة في الجزائر..فخالف محي الدين فرض على المنتخب الجزائري لأنه شقيق الوزير الأسبق قاصدي مرباح واليوم فرض سعدان على روراوة لأنه له قرابة مع جنرال كبير من باتنة”، قلت في نفسي معلقا على هذا المقال ”الله أكبر ..واو كلام جميل سكوب  .. لعلي سأترك مقالة ”حديث المقاهي” وأكتب هذه المعلومة في الصفحة الرياضية….وبينما أنا أسجل بعض الملاحظات في قصاصة من الورق، تقرب مني النادل ليعرف طلبي فطلبت ”قهوة” فقال لي تصبر شوية، هنا قررت مغادرة المقهى و”بركاني من بوليتيك المقاهي” لأن المقاهي في الجزائر كالناس لديها شخصية ولكل مقهى مزاجه وأهله وبصراحة أنا أفضل مقهى والدي الذي تربيت فيه، وتعلمت فيه فنون التجارة قبل أن أقلب القبعة وأتحوّل إلى مهنة الصحافة والتقرعيج تاركا حرفة والدي القهواجي.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة