وقفة مع النفس

وقفة مع النفس

وماذا بعد انتهاء موسم الحج؟

عاد الحجاج بعد المناسك المباركة، عاد ضيوف الرحمن بعد أن طافوا بالبيت العتيق ووقفوا بعرفات ورموا الجمرات، وأتموا مناسكهم ولسان حال كل حاج منهم، عندما اكتحلت عيناي برؤية البيت الحرام، يقول خلف المقام صليت، وفي الحجر سجدت، وفي أرضه مرّغت أنفي، بيدي لمست حجرا من أحجار الجنة، بعيني رأيت ياقوتة من ياقوت الجنة، شفتاي قبّلتا الحجر الأسود وصدري الصقته بالملتزم، من أطيب ماء في الدنيا شربت حتى ارتويت، وعلى جبل الصفا وقفت، من أسعد مني في الدنيا، لعلي وضعت جبهتي حيث وضع النبي الكريم قدماه الشريفتان أو مرغت وجهي حيث سقطت دمعته وهو ساجد عند الكعبة، إنّها مشاهد لا أنساها ما بقيت على قيد الحياة، ولكن ماذا بعد الحج هل ستنتهي طاعة الله بانتهاء الحج؟

لا والله بل الحج مدرسة لغرس حب الله في القلوب. مطلوب من كل حاج أن يعود إلى بلده، وقد امتلأ قلبه حبا لله ولدين الله، ليحيا طيبا ويعيش طيبا ويعمل طيبا، إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا.

إن الهدف من العبادات ليس العبادة فقط ولكن ما بعدها، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزد إلا بعدا من الله، والصيام ما شرع إلا لحكمة وهي غرس تقوى الله في القلوب، والحج كذلك، فعلامة قبول العبادة ما بعدها وعلامة قبول الحسنة بعدها، اللهم تقبّل منا ولا تردنا خائبين برحمتك يا رب العالمين.

وانقسم الناس بعد ذلك إلى قسمين، قسم همّه الدنيا يعيش لها، حريص عليها مشغول بها، حتّى دعاؤه للدنيا.. هؤلاء يعطيهم الله نصيبهم في الدنيا إذا قُدّر لهم ولا نصيب لهم في الآخرة .

وفريق آخر أفسح أفقا وأكبر نفسا، لأنّه موصول بالله يريد الحسنة في الدنيا ولا ينسى نصيبه في الآخرة.

ويأتي تقسيم آخر للناس، بعد آيات الحج، يُقسم الناس إلى صنفين،  صنف الأول يتناقض ظاهره مع باطنه، يدّعي الإصلاح للأرض وهو يُفسدها ومع ذلك يحلف ويُشهد الله على ما في قلبه، قبل أن يتوّلى يقول سأفعل سأبني، سأصلح الأرض ولكن ما إن يتوّلى حتى يكثر في الأرض الفساد والدمار، وإن قيل له اتق الله تكبّر وأخذته العزة بالإثم مصير في الأخير جهنم وبئس القرار.

والصنف الثاني صنف باع نفسه ابتغاء مرضاة الله وسلّمها كلها لله، لا يبغي من ذلك شيئا، مؤمن خالص لا مداهنة ولا رياء. إنّ من حكم الحج العظيمة غرس عظمة الله في القلوب والاطمئنان بذكره في كل حين، ذكر الله ليس تحريك الشفتين بالتسبيح والتحميد والتهليل فقط لا بل مطلوب تذكر الله يا عبد الله في كل حين، تذكر الله حال النعمة، أيّ نعمة فتشكره عليها، تذكره حال المصيبة، فتحمد الله عليها وتعلم أنّه هو الذي قدّرها، وتقول إنا لله وإنا إليه راجعون.

عبد الرحمن بشايرية/ تبسة


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة