يبعن على الأرصفة.. رغم مطاردات الشرطة لهن : نساء يلتحقن بالرجال في الأسواق العشوائية بسبب الحاجة

يبعن على الأرصفة.. رغم مطاردات الشرطة لهن : نساء يلتحقن بالرجال في الأسواق العشوائية بسبب الحاجة

بعد أن اقتحمت المرأة كل مجالات الرجال، حتى تلك التي كان يظن بها أنها لن تنجح فيها لصعوبتها كالمجال العسكري مثلا، لكن ثمة مجالات أخرى قد لا تجرؤ المرأة على اقتحامها، لكنها فعلت وخير دليل على ذلك وجود نسوة تقفن على الأرصفة في الأسواق العشوائية.. وتجمعن قوت اليوم تحت طائلة مطاردات رجال الأمن في إطار محاربة السوق الموازية.
في الجولة التي قادتنا إلى بعض الأسواق الفوضوية بالعاصمة كسوق ساحة الشهداء، وباش جراح، وأول ماي.. التقينا بنسوة اخترنا العمل تحت الضغط والتحرش، ونظرة الاستصغار، والأكثر حالة الخوف من رجال الأمن الذين يطاردون كل تاجر بهذه الأسواق في إطار محاربة السوق الموازية.
عند دخولنا سوق أول ماي بالقرب من المستشفى الجامعي مصطفى باشا، لفتت انتباهنا سيدة في الستينات من العمر مختبئة بين السيارات المركونة بجانب المستشفى، السيدة التي كانت تنادي على المارة تضع أمامها سلعا تعرضها للبيع، اقتربنا منها وسألناها عن أسباب لجوئها إلى هذه التجارة، وظروف عيشها وأشياء أخرى.. فلم تتردد في البوح بما أثقل كاهلها من المشاكل اليومية بما فيها تواجدها في الشارع كفاحا من أجل لقمة لا تكفي لسد الرمق غالبا.

من منظفة.. إلى بائعة على الأرصفة

قالت الحاجة فاطيمة، بائعة بسوق أول ماي، إنها كانت قبل اللجوء إلى هذه المهنة عاملة نظافة بإحدى الشركات العمومية قبل أن تحال على التقاعد، وتجد نفسها أمام عائلة لا معيل لها، تقول الحاجة فطيمة إنها بعد تردد كبير لم تجد بدا من اللجوء إلى هذا في ظل وجود أفواه مفتوحة تطلب الأكل يوميا، هذه السيدة التي تعيل اليوم عائلة بأكملها، لها أولاد متزوجون وآخرون لم تسمح لهم الظروف القاسية والفقر المدقع بإكمال نصف دينهم، ويبدو أن الحاجة فطيمة التي تعمل على إعالة أولادها الذين يعانون البطالة من سنوات، تساهم حتى بمدهم بالمال الذي يمكنهم من البحث عن عمل، إلا أنها في نشاطها هذا، على مشقته، تخفي الحاجة فطيمة على أولادها أنها تعمل كبائعة في الشارع، وهو الشيء الذي يجعلها تتخذ من الفراغات الموجودة بين السيارات المركونة مخبأ لها، إلا أن ثمة سبب آخر أكثر أهمية، وهو مطاردة رجال الأمن لكل البائعين الفوضويين أثناء مداهماتهم لمثل هذه الشوارع، حيث يمكن لمن خانه الحظ أن يجد نفسه دون سلعته بعد حجزها من طرف الشرطة، وهو أكثر ما يرعب الحاجة فطيمة التي تحتاط لذلك بكل الوسائل حتى وإن كان الاختباء الذي يضطرها إلى اصطياد المارة في خجل يعتريها أحيانا.
تقول الحاجة فطيمة إنها تتقاضى مبلغا جد زهيد وهو ١٥٠٠ دج شهريا كمنحة تقاعد وماكان عليها سوى نزع قناع الخجل والوقوف على الرصيف مع الشباب المتمرد على القانون المحارب للسوق الموازية وذلك لأنها لم تعد تقوى على الأعمال المجهدة كالتنظيف، بالنظر إلى سنها لكنها تقول إنها تفضل هذا العمل على مد يدها للتسول وسؤال الغير.

تدخلن أسواق الجملة مع الرجال

في رحلتنا إلى الأسواق الموازية وحديثنا إلى البائعات الفوضويات، حكت لنا بعض النسوة عن العمل الذي تقمن به خلافا لوقوفهن في الشارع، تقول الحاجة علية وهي بائعة تغير السوق من حين إلى آخر سعيا وراء اللقمة، إنها سألت كثيرا الناس قبل أن تقتحم هذا المجال، حيث تم توجيهها إلى محلات البيع بالجملة بعد أن بدأت نشاطها بالشراء من سوق التجزئة ومن ثمة ترصد الأقل ثمنا ثم تعيد بيعها للجيران والأقارب، لكن انعدام الضمير عند البعض الذين يأخذون الحاجايات ويتماطلون في دفع الثمن، إن لم يكن عدم دفعه نهائيا جعلها تبحث كثيرا حتى دلها بعض من تحدثت إليهم إلى بعض الأسواق المعروفة بضواحي العاصمة كالحراش وأولاد فايت وغيرها..
تقول الحاجة علجية إنها قصدت هذا الميدان، بعد أن تنقلت حتى إلى العلمة بسطيف علها تستفيد من فارق السعر، وقد أرهقها التعامل مع التجار الذين لا يراعون المرأة في التجارة – تضيف ذات المتحدثة – يضاف إلى ذلك الخطر المحدق بالمرأة إذا ما دخلت هذه الأسواق التي لا تخلو من أفراد العصابات والأشرار والمجرمين الذين يترصدون الحركة بالسوق ويستهدفون كل زائر جديد أو ضعيف (كالمرأة)، دون إغفال المحتالين من التجار المزيفين الذين يمتهنون النصب والاحتيال على الزبائن الجدد بإيهامهم مثلا بأن هذه السلعة مستوردة لذلك هي أغلى ثمنا، محاولين إقناعهم بأنها تختلف عن الآخرين المتواجدين في السوق من حيث النوعية، مؤكدين أنها تعرف إقبالا كبيرا وأنها تباع بكميات هائلة في سوق التجزئة، وهي الطر،حات التي تجعل الزبون الجديد يخدع بسهولة.
الحاجة علجية التي وقعت في الفخ أكثر من مرة جعلتها الظروف تحاول دائما توخي الحذر وعدم المغامرة، رغم أنها خسرت كثيرا فهي تحاول ربح القليل الذي يمكنها من العيش هي وأولادها، فخالتي علجية هي المعيلة الوحيدة لعائلة من ثلاث بنات وشيخ مريض، وقد توجهت إلى الشارع للبيع فيه بعد إدانة ابنيها وإدخالهم السجن، حيث لم تعد تجد من يدخل دينارا لذلك البيت كما علقت على الوضعية.               

سلع تتماشى والمطلوب..

سواء الحاجة فطيمة أو الحاجة علجية، أو غيرهن، فهن يخترن السلع التي يعرضنها للبيع حسب المطلوب في السوق، الثياب الجديدة والمآزر عند الدخول المدرسي، مايوهات البنات وثياب الصين الخاصة بالأطفال في موسم الصيف، وإن كانت أغلب هاته البائعات خاصة المتقدمات في السن يعكفن خلال شهر رمضان على صناعة الكسكس والقطايف والخبز التقليدي لبيعه أو وضعه للبيع عند أصحاب المحلات الخاصة ببيع المواد الغذائية، فإن نشاطها بالتالي يتناقص خلال شهر رمضان ليعود عشية العيد وتعود معه البائعات إلى الأرصفة إلى جانب الرجال، وتعود بعد الشهر الكريم مرحلة شقائهن.
عندما تنقلنا إلى باش جراح لاحظنا مجموعة من النسوة تصطفن إلى جانب الشباب هناك، تبسطن قطع بساط بلاستيكي فوقه توضع السلع، تقول إحداهن إنهن دائما يخشون من قيام عناصر الشرطة بحجز سلعهن، ونحن في المكان حضرت الشرطة ومنذ اطلالتها من أول الشارع عمدت النسوة إلى لف القطعة بسلعها والهروب إلى أقرب عمارة قصد الاختباء فيها.. وهن يعشن يوميا مع هذا الحال، تحت طائلة المطاردات اليومية لعناصر الأمن.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة