يصبح المجتمع مخدرا داخل مستشفى مفتوح على مصراعيه!

 يصبح المجتمع مخدرا داخل مستشفى مفتوح على مصراعيه!

في الدول التي تشقى فيها العقول وتزدهر، وفي المقابل تزهو البطون والغرائز، هناك بلا شك خلل قائم في البُنى التحتية، ولدينا في هذا الشأن عدة أدلة، من خلالها نستطيع أن نحكم ونطلق نعوتا قيّمة على رأس هذا المجتمع أو ذاك، لكن حتى يبقى موضوعنا مضبوطا ومحتكما لطرحه، نأخذ عيّنة حيّة من هذا الوطن الحبيب المهدر لدموعنا من الداخل.

ظاهرة متجلية منذ أزيد من 30 سنة، فلا وجود لأثر مجلة أو دورية أدبية استطاعت أن تصمد أو تشكّل جمهورا عريض السعة، فعلى الرغم من عدة محاولات من بعض الغيورين الذين فيما بعد ركنوا للواقعية المُرّة، وقصدنا بمرارتها حقيقتها التي لا تبتغي مزاحمة من أيّ كان، بسبب أنها وضعت أذرعها الأخطبوطية على كل مفاصل هذه الدولة شبه الحديثة.

وفيما بعد، طلعت علينا شعارات تترجى وتتوخى أن تصبح وتكون دولة المؤسسات، فعشنا الإقطاع طيلة 132 سنة، ثم عاود نفسه والعياذ بالله كالفيروس القاتل، وبلون آخر ومتخفٍ، لأن الإقطاعية هي نزعة عقلية متوارثة ويستحيل استئصالها إلا بفعل الثورات التي تُعلي من شأن المثقف العضوي وتترك له حرية القرار، وأن تظل القطاعات الأخرى تابعة له وتحت إمرته.

وإذا عدنا إلى موضوع المجلات الأدبية بحكم أننا استعملناها كمعيار لقياس مدى ثقافة ومقروئية المجتمع، نقول إنه تقريبا في جلّ الدولة العربية، هناك دوريات محترمة حافظت على بقائها وديمومتها لأزيد من نصف قرن، والسبب في ذلك، الرعاية الدائمة من طرف الأنظمة وبعض المؤسسات، والجزائر صراحة نموذج نادر ومحيّر.

أمام الباحثين الذين يذهب بهم الخيال إلى أن أصل المشكل هو الغياب الكلي لهذا النوع من الرعاية، التي من المفروض أن تكون، والدليل على هذا، ما كان موجودا إبان سبعينات القرن الماضي، حيث كانت الدولة تولي اهتماما كبيرا لمفهوم التثقيف، وكأني به إجباري وموجه للتلقين والتلقي المفروض، فتجارب كثيرة جاءت بعد التعددية.

ومن هنا وهناك.. قادها بعض المفكرين والباحثين، لكنها كانت لا تتعدى عددها الثالث والرابع حتى تزول وتنقرض!، وهي بحركيتها هذه تشبه المد البحري الهادئ، الذي سرعان ما يصطدم بصخرة عملاقة تمنعه من التقدم والانتشار.

إن المبررات التي سمعناها من أصحابها تكون أقرب إلى الحقيقة مئة من المئة، لأنه لا يستطيع أحد أن يفضّل الدفع من جيبه مقابل أن يتثقف الآخر، ولا وجود لتضحية إذا تعلق الأمر برغيف الخبز، فبعض الملاحظين اعتبروا هذا الانتكاس مقصودا،  وأن سياسة التجهيل مبرمجة، لأن وجود مجتمع مثقف من شأنه أن يوفر الوعي على جميع الأصعدة.

بهذا التفسير البسيط نستطيع أن نلخّص حال هذا البلد الذي عاش فيه الأدب شقيا ولا يزال كذلك، ولا يستطيع أحد تدارك الأمور إلا بقدرة قادر، حيث يتراجع دور العلم والمعرفة وتطفو على السطح كل أنواع الرداءة والتفاهة.

وهذا ما يريح بعض الأطراف التي تريد مجتمعا سطحيا مهترئا هزيلا في منظومته التربوية وتائها في توجهاته الثقافية، بل مخدرا داخل مستشفى مفتوح على مصراعيه، أسهل شيء هو طريقة الدخول إليه والعيش فيه مجانا.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة