يناير بالأوراس.. عادات وتقاليد تأبي الإندثار

بتاريخ ١٢ جانفي ٢٠٠٩ ميلادي، تكون قد مرت٢٩٥٨ سنة عن بداية التأريخ الأمازيغي، إن عام ٩٥٠ قبل الميلاد، هو تاريخ اعتلاء القائد الأمازيغي ''شيشناق'' عرش الأسرة ٢٢ بمصر، وبسط سيطرته

بالكامل على هذه البلاد، واستمر الحكم مدة زادت عن القرنين بعشرين سنة، وكان ذلك عقب الانقلاب الذي قاده شيشناق على الملك المصري ”رمسيس الثاني” حاكم الأسرة الواحدة والعشرين.

ومنذ هذا التاريخ، والأمازيغ في كل الأصقاع يحتفلون بهذا الصنع العظيم، كلما حل ١٢ يناير من كل سنة فبولاية باتنة، نجد الأسر الشاوية وخاصة منها التي تقطن بالمناطق الجبلية كإنوغيس، اشمول، بليهو، بوصالح وحمر خد،  أريس وعلي النمر وغيره،ا تستعد وتحتفل بهذا العيد كاستعدادها واحتفالها بعيد الفطر أو عيد  الأضحى أو عيد رأس السنة الهجرية، لكن بعادات وتقاليد مختلفة تستمر مدة ثلاثة أيام كاملة وهي أيام ١٤-١٣-١٢ جانفي، بحيث يتم تخصيص اليوم الأول لإعادة تجديد جميع الأواني الفخارية، خاصة منها الطواجين التي مازالت تستعمل لحد الآن ، واستبدالها بأخرى جديدة تصنعها النسوة، بنوعية من الطين خاصة لذلك، فيما يقوم الرجال بإعادة طلاء جدران المنازل بالطين الأبيض، قبل تنظيف المواقد بإزاحة الرماد بالكامل، وتعويض مكانه بتراب جديد، ثم بواسطة حشيش اخضر، يتم مسح  الجدران الأربعة للغرف، حتى يصبح اللون الأخضر على المكان الممسوح، وذلك تيمنا بسنة كلها خير واخضرار وأمل، ثم تقوم كبيرة السن في العائلة بحمل المناصب الثلاثة للموقد في قفة مصنوعة من الحلفاء، على كتفها وتخرج ومعها جميع أفراد الأسرة إلى مكان غير بعيد عن المنزل العائلي، وتقوم برمي تلك المناصب السوداء، واختيار ثلاثة جديدة تضعها في نفس القفة وتعود بها إلى المنزل، وقبل ذلك تقلب المناصب الجديدة المختارة وينظر من تحتها، فإن وجد هناك نمل كثي،ر يسود الاعتقاد أن السنة الجديدة ستكون وفيرة من حيث الخرفان والجديان، وإن وجد هناك بعض الحشرات الأخرى من الحجم الكبير، فالاعتقاد يكون في سنة وفيرة من حيث العجول والأحصنة وغيرها من الحيوانات الأليفة الأخرى الكبيرة الحجم. كل هذه العادات والاعتقادات التي وإن طغى عليها الطابع الخرافي، في كثير من الأحيان فإن النية الصادقة بمجتمع يسلم أمره لله في كل شيء .

وإذا كان هذاأبرز ما يميز اليوم الأول، فإن ليلة ١٣ جانفي تتميز بوجبة العشاء المميزة جدا، والتي عادة ما تتجتمع الأسر الأوراسية، في شأنها على طبق الشيخوخة الحارة بلحم الديك الرومي، والبيض المسلوق أو طبق الكسكسي بنفس المكونات مع طبق الرفيس المعد بالغرس، وحبات الرمان والزبدة الطبيعية، المنتجة محليا بعد مخض الحليب لتحويله إلى لبن.

وقصد إدخال الفرحة في قلوب الأطفال على وجه الخصوص، يتم في تلك الليلة توزيع ما تم ادخاره من فواكه تنتج محليا، من تين مجفف، ورمان وبعض المكسرات كاللوز والجوز عليهم، وذلك خلال السهرة العائلية التي يلتف فيها الجميع على الجدة، التي تشرع في سرد حكايات، وأساطير توارثها الأجداد جيل عن جيل، بطريقة مشوقة جدا وبأسلوب يأخذ ببال المستمع إلى عالم آخر، ما يجعله متفاعل نفسيا مع مراحل هذه الأساطير المليئة بمعاني، التشبث بالأرض والدعوة إلى فعل الخير ومساعدة المحتاج، وغيرها من القيم الإنسانية والأخلاقية التي تحتوي معانيها مثل هذه الأساطير ”كسميميع وسيدي عيسى سبع بنات وشكركر”. 

وتستمر الاحتفالات بيناير بباتنة، حتى اليوم الرابع عشر وكل ذلك بعادات وتقاليد لم تتمكن التغيرات العصرية الحاصلة في وقتنا الحالي، من هواتف نقالة وشبكة انترنيت، والهوائيات المقعرة من محوها من أذهان سكان الأوراس، لأنهم يعتبرون التشبث بالهوية الأمازيغية وتذكر بطولات وأمجاد عظيمة، قام بها الأجداد السابقون من شيشناق إلى يوغورطا، ثم ماسينيسا، يوبا الأول ويوبا الثاني، وصولا إلى الكاهنة (الديهيا) وأبطال آخرون، كلهم كتبوا أسماءهم في سجلات من ذهب .


التعليقات (1)

  • الياس

    ممتاز

أخبار الجزائر

حديث الشبكة