أحتاج رصاصة رحمة تنهي وجعي لأميّز الحقيقة من الخيال
أتت حورية بحر في حضرة جو متعصب غائم، وغفلة بحر نائم لم يغمض له جفن منذ الأزل، وموج غادر موقعه الدائم، وعلى غير العادة وبلا سابق إنذار ومن غير جواز سفر ولا حتى هويّة، خرجت حورية بحر ذات هدوء عاصف، منهكة لا تدري أين تسير، تاركة عرش الماء يئن، متوجهة صوب الغربة المرة مهملة خط الرجعة، معلنة أن لا عودة.. ضاربة قانون البحر عرض الموج، بحثا عن وطن آخر بمساحة حب، كي تبدأ عمرا آخر بلون البحر، أحرقت الماضي بشعلة كبريت، الحاضر ترفض أن تبقى رهينة عرف التقليد، اعتزلت مهنة جارية تؤمر فتطيع، أدركت اليوم أن الأمر جد فظيع، وبأن لها قلبا ممتلئا حيوية، فكيف يضيع؟ كيف يضيع؟ وأنها تملك جمالا عالي الجودة، يبكي في السر بصوت هادئ وحزين، فقبل أن تغزوه ديدان الموت المتأهبة على أكثر من جبهة قتل وأكثر من موجة غدر، قررت في لحظة حضور الذات، إطلاق سراحه عبر باب النجدة، وتمنحه لحبيب الصدفة المسكين منذ عقود وهو على الأرض يدب وفي فمه سيجارة، منتظرا ضربة حظ كبرى وطلوع القمر من عمق البحر، حورية بحر قطعت حبل الخوف وهي الآن ترى بوضوح أكثر، هي حرة وتملك صوتا ولسانا ووجها يشرق على بعد أميال، ربما هي تحبك، فليس لديها وثيقة إثبات أنها من أهل البحر غير الزي الرسمي يزيّن خارطة الجسد، جسد بأتم المعنى، جسد تام البنية ما أروع جسد الحورية ما أروعه، وهي تسبح بخيلاء كالبطة، مأدبة رقص بالمجان، مشاهد فوق الإعجاب ليس لها اسم أو عنوان. كل ضلوعي، كل رموشي تصفق بحرارة حين تخوض عباب البحر بمهارة، فليتني بحر ليتني ملح لم يسبق لي وأن احتضنتني اللهفة بكل قواها الجبارة، جد سعيد وأنا أتألم حسرة وأشرب نخب تلو النخب كؤوسا من غيرة. أحتاج رصاصة رحمة تنهي هذا الوجع الدافئ، حورية بحر صار البحر صديقي الأقرب، وصار لون الملح لوني المفضل لكل من يمنّي النفس أن يمنح الجنسية ويسكنها قصور الحورية -عفوا الحرية، ديوان البحر سجلها هاربة من التجنيد، وهي في مكتبة الأرض خالدة في أعلى رتب التمجيد، إنها مالكة القلب.. حورية بحر .
ابراهيم