إعــــلانات

البيت السعيد

البيت السعيد

بعض البيوت يسودها السكون الموحش، فلا تأنس الزوجة فيها بحديث زوجها ولا هو يأنس بحديثها، ولا يسمع أحدهما من الآخر كلمة حب أو عطف أو حنان، ومن الأزواج من يكثر لوم زوجته وانتقادها في كل صغيرة وكبيرة، فتراه ينتقد الطعام الذي تعده الزوجة، ويعاقبها إذا بكى أولاده الصغار أو كثر عبثهم، وتراه يبالغ في تأنيبها إذا نسيت أو قصّرت في أي شأن من شؤونه. وأقبح ما في ذلك أن يعنفها فيما لا قدرة لها عليه، كأن يلومها إذا كانت لا تُنجب، أو لا تُنجب إلا بنين وحسب أو بنات وحسب، ويلومها إذا أنجبت ولدا مصابا ببعض العيوب الخلقية، فيجمع بذلك بين ألمها في نفسها وبين إساءته البالغة التي تقض مضجعها وتؤرق جفنها.

الزوج العاقل الكريم لا يعاتب زوجته عند أدنى هفوة، ولا يؤاخذها بأول زلة، بل يلتمس لها الأعذار ويحملها على أحسن المحامل، وإن كان هناك ما يستوجب العتاب عاتبها عتابا لينا رقيقا تدرك به خطأها من دون أن يهدر كرامتها أو ينسى جميلها، وما أحسن أن يتغاضى المرء ويتغافل، فذلك من دلائل سمو النفس وشفافيّتها وأريحيتها، كما أنه مما يُعلي المنزلة ويريح من الغضب وآثاره المدمرة. وإن أتت المرأة ما يوجب العتاب فلا يحسن بالزوج أن يكرر العتاب، ويدمي الجراح مرة بعد مرة، لأن ذلك يفضي إلى البغضة وقد لا يبقي للمودة أثرا. ومما يعين الزوج على سلك طريق الاعتدال في عتاب الزوجة، أن يوطن نفسه على أنه لن يجد من زوجته كل ما يريد، كما أنها لن تجد فيه كل ما تريد، ثم إن الإنسان لا يستطيع أن يتخلص من كثير من عيوبه، فلما نُحمِّل الآخرين فوق ما يطيقون، ونحن عن تلافي كثير من عيوبنا عاجزون؟ 

ولا يعني ما مضى أن يتساهل الزوج في تقصير الزوجة في الأمور المهمة، من نحو القيام بالواجبات الدينية أو التزام ما تقضي به الصيانة والعفة، فهذه أمور يجب أن تُوضع على رأس الأشياء التي لا يُقبل التنازل عنها بأي حال من الأحوال. وبعد ذلك فقد يقع من الزوج شدة في العتاب أو إسراف في اللوم، فيحسن به إذا وقع منه ذلك أن يبادر إلى الاعتذار أو الهدية وإظهار الأسف، والاعتراف بالخطأ من دون أن تأخذه العزة بالإثم، فما هو إلا بشر، وما كان لبشر أن يدّعي أنه لم يقل إلا صوابا، فإذا أخذ الزوج بهذه الطريقة قلّ عتابه وأراح نفسه سما بخلقه، وحافظ على مَشاعِر مُعاشِره.

@ محمد بن ابراهيم

رابط دائم : https://nhar.tv/uutEm