العـلم كنزٌ لا يـزيد إلا بكـثرة الإنـفاق مـنه
سبق ذكر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف بمنى، وبيان اشتمالها على أربع جمل رئيسة مضى الحديث عن الجملة الأولى منها، وهي دعوته صلى الله عليه وسلم لمن سمع حديث النبي ووعاه وحفظه وبلغه كما سمعه.
أما الجملة الثانية: وهي المتضمنة لبيان الفائدة من تبليغ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهي وصوله إلى من يكون أمكن في حفظه وفهمه، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، وفي الرواية الأخرى قال: (رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، ومعنى ذلك: أنه قد يحفظ من لا يفهم، وقد يفهم وغيره أفهم منه، والذي حفظ ولم يفهم مأجور لحفظه السنة وتبليغها، والذي حفظ وفقه أكمل منه، فيكون مأجوراً لحفظه وتبليغه واستنباطه من الحديث ما أمكنه استنباطه فهو يبلّغه لغيره، وقد يكون الذي بلّغه إليه أفقه منه فيستنبط منه ما لم يفهمه الحامل.
وأما الجملة الثالثة: فهي قوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله والنصح لأئمة المسلمين ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)، وهو مشتمل على هذه الخصال العظيمة التي لا يغل عليهن قلب المسلم، وقد ذكر عليه الصلاة والسلام هذه الخصال عقب دعوته لمن سمع السنة ووعاها، وحفظها وبلّغها بالنضرة، وهو في غاية المناسبة، وذلك أنه لما كان هذا الثواب العظيم لمن بلّغ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتقر كسائر الأعمال إلى الإخلاص لله، وعقد النية على النصح للمسلمين ولزوم جماعتهم عقّب صلى الله عليه وسلم دعوته الميمونة المباركة لمبلغي سنته بما يدلُّ على أهمية الإخلاص في الأعمال لله، والنصح للمسلمين، ولزوم جماعتهم بقوله: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله والنصح لأئمة المسلمين ولزوم جماعتهم)، قال ذلك، لأن هذه الخصال الثلاث تستصلح بها القلوب، وتهذب بها النفوس، وباستشعارها وعقد القلب عليها يكون المسلم جديراً بتحصيل الثواب الجزيل، والأجر العظيم المذكور في الحديث.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ثلاثٌ لا يغل عليهن قلب مسلم) دلالة على أن قلب المسلم لا يحمل الغلّ ولا يبقى فيه الغش، إذا كان متصفاً بهذه الصفات الثلاثة المذكورة في الحديث، لأنها تنفي الغش وتبعده عن القلب.
المخلص لله إخلاصه يمنع غلّ قلبه، ويخرجه ويزيله جملة، لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه وطلب ثوابه، فلم يبق فيه موضع للغلِّ والغش كما قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}، فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء، ولهذا لما علم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص استثناهم من شرطته التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}.
قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (والنصح لأئمة المسلمين) هذا أيضاً منافٍ للغل والغش، فإن النصيحة لولاة الأمر لا تجامع الغل إذ هي ضدّه، فمن نصح الأئمة والأمة فقد برىء من الغل، والنصح لأولي الأمر من المسلمين إنما يكون بالسمع والطاعة لهم في المنشط والمكره أبراراً كانوا أو فجاراً، وإنما الطاعة في المعروف، فإن أمروا بمعصية الله فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، وبإرشادهم للخير وترغيبِهم فيه، وتحذيرهم من الشر وتنفيرهم منه، والدعاء لهم بالصلاح والمعافاة، وعدمِ الدعاء عليهم لمنافاة ذلك للنصيحة، لأن جماع النصيحة هي عناية القلب للمنصوح له كائناً من كان.