المصاحفُ الإلكترونية.. جنيٌ للأجرِ ثمرتُه سهولة التحميل ..ولكن!
توقُفي في أحد أسفَاري بمسجدٍ صغيرٍ لتأديةِ صلاةِ العصر، وأنا في طريقي للصحراء لم يَكُن موعداً مع أجرٍ من الله عزّ وجل فحَسب بل ذكّرني بأيامٍ خلَت.
ألواحُ تحفيظِ القرآن الكريم، التّي اصطفّت متكئةَ على جُدرانٍ زادَ من قِدمها غبارٌ تناثر هُنا وهُناك ..ألواحٌ لمْ تكتحلْ بها عيناي منذ أمدٍ بعيد.
تذكّرتُ صديقي عبد المُنعم، الذّي كان يضبطُ نظاراتهِ ليقرأ من لوحةٍ هي الأخرى لكنّها لوحةٌ زجاجيةٌ زادَ من نورها آيات الذكر الحكيم إنّها شاشة اللوحات الذكية.
مشهدٌ لم يقتصر على عبد المُنعم فحسب، بل زار مساجدنا الذي زاد من نورها الضوء المنبعثِ من شاشات الهواتف الذكية فغالبيتهم ييمّمُ وجوههم شطرها ليُرتّلوا القرآن.
فإبهامُهُم المُبحرُ عرَضَ شاشةِ اللوحات والهواتف الذّكية أَلِفَ غوصهُ بينَ شُطُوطِها لم يعُد بحاجةٍ ـ حسبهم ـ إلى تقليبه بين صفحات المُصحفِ الورقي المحمي بدُفتيه.
رفُوفُ المصاحف الورقية بمساجدِ الله تعالى، أصابها بعض الغُبار الصحراوي ـ مُستهل مقالي ـ من فَرطِ إدمان عشّاق القُرآن على قراءة وِردهُم اليومي إلكترونياً.
الحاج أحمد هو الآخر وجدتُهُ وهو يعدّلُ سمّاعَاتِ هاتفه الذّكي، للإستماع للشيخ عبد الباسط عبد الصمد رحمه الله تعالى.
في ختمةٍ مكتوبة مسموعةٍ متتبّعاً ببصرهِ الضعيفِ أسطر مصحفهِ الذّي تماشى مع ترقيمِ الآيات.. مُسترقاً السمعَ من تحتِ سمّاعته التّي تعبقُ جِدّةً.
لقد أغناني هاتفي “الأنتلجون ” على حدّ تعبيرهِ عن حملِ مُصحَفي الثقيلِ الذّي لم أعُدْ أقوى على حملِهِ يا بُنيّ.
ثقلٌ لا يثقلُ حجمُ تحميلِ تطبيقهِ ذاكرة الهاتف الذكّي، فكبسة زرّ على التطبيق الأشهر play store كفيلةٌ بتحميلهِ ليكون على واجهة شاشتك كلّ هذا بالمجان فالتطبيقات صديقة الذكر الحكيم تحمّل دون مُقابل.
ترتيبُ السُّورِ على فهرسِ المصحف الإلكتروني كافٍ لزرع الاطمئنان عند قُرّاءه، لكنّه ليس اطمئنانٌ تامٌّ لا ريبَ فيه كما أكدّه لنا “نور الدين محمدي” المدير الفرعي السابق للتعليم القرآني بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف.
حينَ وقفَ شخصياً على أخطاءٍ تحويها بعض نسخِ المصاحف الإلكترونية، تتعلّق بترتيب بعض الآيات وتكرار بعض المفردات هيَ الأُخرى براءٌ من هذه الزيادات ، على سبيل المثال لا الحصر ذكرَ منها :
في سورة “آل عمران” آخر صفحةٍ من إحدى النُسَخِ المحَمّلةِ كلمةٌ تكرّرت ثلاثُ مرّاتٍ، في غيرِ موضِعِها وهي كلمةُ : “بالحقّ وهي موجودةٌ في سورة الإسراء وسورة ص وهذا ليسَ هُو محلّها”.
هُنا القارئُ الذّي لا يحفظُ القرآن الكريم لاينتبه لهذا الخطأ ويقرأ : “فأمّا الذّين في قلوبهم زَيغٌ فيتّبعون ماتشابه بالحقّ بالحق بالحق منه ابتغاء الفتنة”،وهذا التحريف المقصود للقرآن الكريم.
وللتخلّصِ من هذا كلّه وضبطاً لمجالِ نشر وتسويق المصحف الشريف، على جميع الدعائم جاء المرسوم التنفيذي رقم 17 ـ 80 المؤرخ في 28 رمضان عام 1436 هـ الموافق لـ 15 يوليو 2015 م.
مركزّاً على الحصول على ترخيص مسبق لنشر المصحف الشريف أو طبعه أو تسويقه أو استيراده على جميع الدعائم وخلوّه من الأخطاء ومراعاة رواية ورش عن نافع.
القراءة التّي تتبناها الجزائر على غرار بلاد المغرب العربي ماجعل وزارة الشؤون الدينية و الأوقاف تسعى لتجسيدِ مشروع تحت لجنة متخصّصة لإنجاز مصحف ورش إلكتروني مضبوط.
من حيث الرسم العثماني وعدد الآيات وكذا ترقيم الآيات وهذا منذ سنوات لكنّهُ لم يرَ النّور بعد.
مصاحف إلكترونية تُزيّنُ شاشات الهواتف واللوحات الذّكية تنافسُ المصاحف الورقية حتّى على رفوفِ المساجد ..تنافسٌ قد يتعادلُ في تحصيلِ الأجورِ لكنّ القرآن المُحكمة آياتهُ الذّي لا ريبَ فيهِ حتماً هو الذّي حُفظَ مُذْ أن أُنزِلَ بين الصُدُور .