المُضاربون يُفجّرون ''أزمة إسمنت'' لرفع الأسعار وشلّ المشاريع العمومية
اتّحاد المُقاولين: ”غلق 4 مصانع في وقت واحد سيُؤزّم الوضع”
استغلّ سماسرة ”الإسمنت” فصلي الربيع والصيف من أجل فتح باب المُضاربة بهذه المادّة، عبر تضخيم مكتب الدراسات لقيمة المشاريع العُمومية، وعملية شراء أرقام التعرفة بمبالغ خيالية، والتوزيع المشبوه لرُخص التعبئة، كلها خطوات تتمّ دراستها بعناية وتوفير الجوّ المُلائم لها من طرف هؤلاء السماسرة، من أجل خلق الندرة والفوضى معا، ومن ثمّة التحكّم في أسعار الإسمنت في السوق. وهذا على الرغم من تأكيد وزير السكن على استدراك التأخر المُسجّل في وتيرة الأشغال، إلاّ أنّ المُضاربين لا يُؤمنون إلاّ بقانون واحد.. وهو قانون الربح السريع. وقفت ”النهار” على هذه المُمارسات غير القانونية، وتنقّلت إلى مصنع الإسمنت بالمسيلة، حيث كان السماسرة يُحضّرون لموسم مُميّز، انطلق بغلق 4 مصانع إسمنت، وطلب مُتزايد على هذه المادّة في هذا الموسم، وفوضى كبيرة في مُحيط المصنع في ظلّ انعدام تام للرّقابة على السلع والفواتير، اقتربنا من هؤلاء المُضاربين الذين وجّهوا أصابع الاتهام إلى المؤسسة، وقالوا إنها الوحيدة المسؤولة عن الفوضى التي تشهدها السُوق، عبر ”تشجيعها للمحسوبية والرشوة”.
موسم مُميّز لسماسرة السُوق والمضاربون يُحضّرون لإلهاب الأسعار
قبل أن نصل إلى المصنع، توقّفنا عند بعض الشاحنات المُصطفّة على يسار الطريق الوطني، حيث كان بعض الحمّالين ينقلون أكياس الإسمنت من شاحنة إلى أخرى، وعندما انتبهوا لوُجودنا راح كلّ واحد منهم ينظر إلى صاحبه مُشيرا له بإيماءة من رأسه أن ”احفظ الميم”، فهمنا أن وُجودنا غير مرغوب فيه، فحاولنا أن نحصل على بعض المعلومات، تقرّبنا من رجل كان يلفّ الحبل لشدّ الأكياس فوق الشاحنة، بدا أنه ”المعلّم” إذ كان يُعطي أوامره لبعض المُراهقين الذين يتكلفّون بعملية التحميل. سألناه عن عمله هذا الذي يتمّ خارج محيط المصنع، فلم يردّ، واكتفى بالقول ”راني نخدم كيما الناس”، ولدى إصرارنا عليه، قال مُتذمرا، ”أنا زوالي وراني نخدم على شرّي”، وأضاف، ”على الأقلّ نحن نخلق مناصب عمل لمئات الشباب البطال من المنطقة”، غير أنّ صاحب شاحنة أُخرى كان قريبا منا، جاء لدى سماعه بوُجودنا، وأبدى استعداده للحديث عن حيثيات عمليات البيع وإعادة بيع الإسمنت، قال، ”إن العمل وفق القانون صار صعبا، لأن تلاعبات كثيرة تحدث على مُستوى الشركة”، وقال إنه مُستعدّ للحديث في الموضوع شريطة أن ننقل ما أسماه بتجاوزات شركة الإسمنت في المسيلة، بذريعة أنه لا يُمكن مُحاسبة السماسرة الصغار وترك السماسرة الكبار، قال إنّ المحسوبية على مُستوى الشركة هي أصل المُشكل، وأنها من دفعتهم إلى استعمال طُرق مُلتوية لكي يُسوّقوا الإسمنت ”كيف أحترم القانون وغيري لا يفعل”. طلبنا من الرجل إفادتنا بمعلومات أكثر حول عملية ”المُضاربة” فأبدى استعداده وسط نظرات زُملائه المحملة بكثير من الشك.، صارحنا أنّ الفوضى تنطلق من مصنع الإسمنت، ويُضطرّ المُقاولون، والزبائن، وحتى السماسرة إلى اتّباع ”ريتم” الفوضى الذي تخلقه المُؤسّسة، واتهم هذه الأخيرة بعدم احترام مواعيد الشحن، وتواطؤ بعض عُمّالها في بيع الرُخص لغير مُستحقيها بمبالغ خيالية.
رخص ”المُوزّع” تُباع بـ350 مليون سنتيم
يتمّ منح رُخصة الموزّع أو تاجر التجزئة عادة عبر تكوين ملف يحتوي على كثير الوثائق التي تثبت أحقية الشركة أو المُقاول في الحصول على كمية من الإسمنت، ولكن صار الحصول على هذه الرخص حلم الكثير من التُجّار والمُقاولين بفعل بعض التلاعبات التي يقوم بها إداريون على مُستوى الشركة، منها بيع الرخص وأرقام التعرفة بمبالغ تصل إلى 350 مليون سنتيم. وتنطلق عملية إيداع ملفّات الحُصول على رُخصة تاجر تجزئة بمقر شركة الإسمنت الفرنسية ”لافارج” بالعاصمة، حيث يقصدها مئات المُقاولين والتُجّار من عدّة ولايات خاصّة برج بوعريريج والجلفة والمسيلة وولايات أخرى.
مخازن الظلام في المسيلة وبوسعادة لاحتكار الإسمنت…
يفتعل المُضاربون أزمة الإسمنت بعد ”دراسة” لمُعطيات السوق، حيث تلعب الخبرة دورا كبيرا في اختيار موعد المضاربة والاحتكار من أجل الحصول على أكبر قدر من الأرباح التي تعدّ بمئات الملايين في العملية الواحدة. ويحتاج التاجر إلى أمرين لخلق الندرة في السوق، أولهما الاتفاق مع زملائه في التجارة والسمسرة، وأن يكون له مكان لتخزين كميات كبيرة من الإسمنت، حيث يعتمد تُجّار الجُملة والتجزئة على إيجاد مُستودعات كبيرة لتخزين أكياس الإسمنت، وافتعال ندرة في الأسواق، خُصوصا في الفترات التي تشهد انخفاضا في الإنتاج، بهدف رفع الأسعار، وهذا بعد اتفاق مُسبق بينهم.
أمتار معدودات تُضاعف في سعر كيس الإسمنت
المارّ من الطريق المُؤدية إلى مصنع الإسمنت بالمسيلة، يُلاحظ العدد الكبير من الشاحنات المصطفة في الطريق، والتي تشغل عُمّالا ينقلون أكياس الإسمنت من شاحنة إلى أخرى، حيث يستفيد مُقاولون من بطاقات تُمكّنهم من استخراج مادّة الإسمنت الأوليّة من المصانع بسعر 300 دينار، يحتفظون بالكميّة التي يحتاجونها، ويبيعون الكمية المتبقية لتُجار الجملة بأسعار تتراوح بين 400 و500 دينار، والكمية المُتبقية هي نتيجة تضخيم الفاتورة بالتواطؤ مع عامل من مكتب الدراسات، حيث تتمّ المُصادقة على الأولوية في التموّن بهذه المادّة بسعرها الرسمي، ويتم بيع أكياس الإسمنت من مضارب إلى آخر بمبالغ تصل من 700 إلى 1200 دينار، ويحذّر المختصون في هذا الشأن من عدم وجود سقف أسعار بالنسبة للمتعاملين الخواص.
وصلات التزوّد بالإسمنت تباع في السوق السوداء
وقفت ”النهار” على الفوضى التي تشهدها عملية التزوّد بالإسمنت، حيث إنّ إدارة المصنع لا تحترم المواعيد المُسجّلة على وُصلات السائقين، فيضطرون إلى الانتظار لساعات، وأحيانا لأيام قبل التمكّن من التوزد بكمية الشحن الخاصّة بهم، واطّلعنا على تلك الوصولات التي يحملها السائقون في الساحة المحيطة بالمصنع، وينتظرون دورهم بيأس، ذلك أنهم ما إن يصلوا إلى المصنع حتى يطّلعوا على مدة التأخير، إذ أطلعنا سائق على الوصل الذي يملكه وعليه تاريخ منتهي بيومين، وقال إن آخرين قبله لم يحن دورهم بعد، وهو سينتظر ساعات وربما يوما أو يومان. واستغرب السائقون كيف يلزمونهم باحترام المواعيد، فيما لا تحترمها إدارة المؤسسة، وذكر سائق آخر، أنه قد مر على موعده 48 ساعة، ولم يتمكّن من الشحن بعد، قال آخر إنه يسير مسافات طويلة، حيث قدم من البيض وموعده، أمس، ولكن لم يتمكن من الشحن، متساءلا عن السبب، كما أشار إلى أن هذه التأخّرات هي التي تتسبّب في حوادث المرور، حيث يحاول سائقو الوزن الثقيل تدارك التأخّر المسجّل على مُستوى المصنع، فيُضطّرون إلى الإسراع، وأكد السائقون أنهم قدّموا شكاوى كثيرة على مستوى الإدارة، ولكن لا أحد رد عليهم، حيث يتّخذون إجراءات من حين إلى آخر، لكن من دون جدوى، واتهموا إدارة ”لافارج” بكونها المسؤولة الأولى عن هذا الخلل المُسجّل في المواعيد، فمنذ توليها إدارة المصنع ساءت الأوضاع، وهذه الفوضى التي تعطّل تجارة هؤلاء السائقين هي التي تشجّع على اللجوء إلى السوق السوداء، حيث إنّ بعضهم يشتري وصلات بقيمة 20 مليون سنتيم لـ20 طنا.
اتحاد المقاولين: ”القرارات العشوائية وغير المدروسة تُشجّع فوضى السوق”
من جهته، حذّر رئيس اتحاد مقاولي البناء سليم قسيمي، من القرارات العشوائية التي من شأنها أن تُعقّد الوضع فيما يخصّ إطلاق أشغال الصيانة في ٤ مصانع مرّة واحدة، وهي مصنع مفتاح بالبليدة، والرايس حميدو، وزهانة بسيدي بلعباس، وسور الغزلان. وقال إنّ المُضاربين يستغلّون فترة الربيع إلى الصيف من أجل رفع الأسعار، والربح السريع على حساب المواطن والمشاريع. وقال إنّ اتحاد المُقاولين يُطالب بإنجاز مصانع أخرى للإسمنت من أجل وضع حدّ لمُشكل الندرة وإيقاف سماسرة السوق، حيث أنّ تكلفة إنجاز المصانع تقدّر بـ30 مليون دولار لتوفير 2,5 إلى 3 ملايين طن في السنة، ونفس تكلفة الإنجاز تعادل المبلغ الذي ننفقه في استيراد الإسمنت. وأضاف أنّ مشروعا مماثلا سيخلق 700 منصب عمل مُباشر، و1500 منصب غير مُباشر، ويُمكّننا من وضع حد للتبعية للخارج في هذا الميدان، ودعا إلى أن تُنفذ وعود الوزارة فيما يخصّ إنجاز 8 مصانع إسمنت لتدارك التأخّر المُسجّل، وقال المُتحدث إنّ بعض الخواص تحصّلوا على صفقات بناء مشاريع كبرى، بعد أن اقترحوا أسعارا خيالية خلال المناقصات، على الرغم من أنهم بعيدون كلّ البعد عن قطاع البناء، لكن غياب قانون المقاولة سمح لهم بدخول السوق والاستحواذ على مشاريع كبرى تمكنهم من تبييض أموالهم التي جاءت عن طريق تجارة غير مشروعة.
عُمّال مصنع الإسمنت في المسيلة يطالبون برفع الأجور والاستفادة من منحة الخطر
رفع عُمّال مصنع الإسمنت بالمسيلة التابعين لشركات المناولة، إلى إدارة المؤسسة، عريضة تحصّلت ”النهار” على نسخة منها، تحمل عدّة مطالب على رأسها زيادة في الأجور تمس كلّ العمال، والاستفادة من منحة الخطر، ومنحة التلوّث، ومنحة الجهد، وإدراج منحة الأجر الوحيد. ويحتوي مصنع الإسمنت على وحدات صناعية، ينشط على مُستواها عمال تابعون لإدارة المؤسسة، وآخرون تابعون لمختلف وحدات شركات المقاولين منها وحدة الطاحونة، والتعبئة، والكسارة، وأكد العُمال أنّ تلك الشركات الخاصة توظفهم في ظروف وصفها بالصعبة، ذلك أنهم لا يستفيدون من نفس الاميتازات التي يحصل عليها عمال الشركة، وحتى الأجور قالوا إنها غير متساوية، وأحيانا يصل الفارق إلى الضعف بين عامل الشركة والعامل الموظف لدى شركة خاصّة.وأكد ممثلو العمال لـ”النهار”، أنهم يطالبون بحقوقهم منذ سنة 2006، ولم يتحصّلوا على حقوقهم كاملة، ورفعوا، أمس، قائمة من المطالب إلى الإدارة وهي الاستفادة من الأرباح السنوية والزيادة في علاوة الضرر بنسبة 30 من المائة، وإدراج منحة الأجر الوحيد، بالنسبة للزوج الذي لا تمارس زوجته أي نشاط، والزيادة في منحة الأكل للوجبة اليومية.كما طالبوا بالتعويض القانوني لأيام الجمعة 100 من المائة، والسبت 75 من المائة، وتعديل الأجر الصافي وفقا لعدد الأيام الشهرية المقدرة بـ30 يوما، وتوفير النقل للعمال المحرومين منه وتوفير طبيب اختصاصي مع توفير كشوفات صحية دورية منتظمة.