''النهار'' في خرجة مع مصالح المرافقة الإجتماعية ''زوافرة''، أمّهات عازبات ويتامى يفترشون الأرصفة في ''عزّ'' البرد
كانت الساعة تشير إلى تمام التاسعة وثلاثين دقيقة مساء، عندما انطلقنا في رحلتنا إلى قلب العاصمة ليلا ..عالم آخر اكتشفناه، قصص ووقائع أغرب من الخيال يعيشها عدد من الأشخاص بدون مأوى، فراشهم ”الكارطون”، وغطاؤهم سماء العاصمة، عمال، متسولون، مطرودون من الوسط العائلي، عائلات بدون مأوى ….و الباقي يأتي بمرور الساعات الطوال التي قضيناها في شوارع العاصمة ليلا، برفقة مصالح المرافقة الاجتماعية التابعة لوزارة التضامن الوطنيالبداية كانت من شارع ديدوش مراد، أين رافقنا في هذه الرحلة مدير مركز بئر خادم، و3 أخصائيات نفسانيات، طبيب، ومساعدان نفسانيان، قصد جمع أكبر عدد من الأشخاص بدون مأوى، فالثقة عامل مهم للتعامل مع هؤلاء الأشخاص، لأنهم في أغلب الأحيان يبدون رفضا كبيرا للغرباء، ويصدون كل من يحاول الاقتراب منهم. وبحكم معرفة الفريق العامل، والذي كان صحفي ”النهار” واحدا منهم في تلك الليلة، وبعد أن قدموا لنا بزة بيضاء خاصة بفرقة المرافقة الاجتماعية، كانت المهمة نوعا ما سهلة وموفقة ليلة أول أمس، أين كانت الأمطار تتساقط بغزارة، رغم ذلك كان عدد الأشخاص الذين تم نقلهم إلى مركز الإسعاف الاجتماعي كبيرا مقارنة بالأيام الماضية.
21 شخصا بدون مأوى أسعفوا في ليلة …وحتى مختلات عقليا حوامل
العاصمة في الليل تبدو مختلفة تماما عن صخب النهار، هدوء تام، والمشهد العام بداية من شارع ديدوش مراد كان مميزا، بوجود كومات من ”الكارطون” والأفرشة المتراكمة هنا وهناك، تحت ”الأقواس” والشرفات، التي تبدو للوهلة الأولى من أن أصحابها تخلصوا منها بسبب قدمها. القافلة التي كنا برفقتها، كانت مكونة من حافلتين وسيارتين سياحيتين، وبمجرد وصولنا إلى شارع ديدوش مراد توقفت الحافلة الأولى، ثم الحافلة الثانية، حيث نزلنا برفقة المختصين النفسانيين. ”سهلية ” كانت دائما في المقدمة بنشاط كبير، وبمجرد صولنا إلى شخصين بدون مأوى، قالت ”السلام عليكم راكم راقدين ماخصكم والو ؟..رد أحدهم: أعطيني تيزانا”.
لنعرف بعدها أن ثمة معرفة مسبقة بين المساعدين النفسانيين، وبعض الأشخاص، وتابعت ”سهلية ”: ”تجو معانا”، وبدون تردد حمل الشخصان وهما في حقيقة الأمر أخوان من ولاية الجلفة، كانت ملابسهما ممزقة، وصعدوا في الحافلة، ومن بين الأشخاص الذين قابلناهم في تلك الليلة، فتاة مختلة عقليا تخلت عليها عائلتها في أزقة العاصمة، غير أن المفاجأة كانت كبيرة لمصالح الإسعاف الاجتماعي، حين عثروا عليها في حالة نفسية صعبة جدا، وتم نقلها إلى مركز الإيواء بئرخادم ٢، حيث عثر عليها وهي حامل، ما زاد من تأزم وضعية هذه المختلة التي تجهل حتى اسمها، والتي وقعت ضحية ذئاب بشرية استغلوا مرضها وزادوا من تأزم وضعها بعد تخلي عائلتها عنها.
البريد المركزي و البنايات المجاورة لها…حكر على العمال
واصلنا رحلتنا، أين كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلا، متجهين نحو ساحة البريد المركزي التي كانت حكرا على الشباب والكهول الذين يعملون نهارا، ولا يجدون مأوى يبيتون فيه، أو حتى ”براكة” تقيهم برد الشتاء القارس، خاصة في مثل هذه الأحوال الجوية والاضطرابات التي تمر بها الجزائر. المختصون النفسانيون الذين كنا برفقتهم، بمجرد ما يجدوا أحد الأشخاص نائما تحت شرفات المنازل حتى يسارعوا للنزول من الحافلة، قصد محاولة إقناعهم بالذهاب معهم إلى المركز، ولكن هناك من يرفض وهناك من يسارع حتى إلى قطع سبيل الحافلة للصعود فيها بمحض إرادته، غير أن الأمر الذي فاجأنا، هو وجود أشخاص يعملون في محلات لبيع الطعام الجاهز، والمطاعم وورشات البناء، قادمين من مختلف الولايات الداخلية، من بينهم شاب في العشرين من عمره، قال أنه يدعى ياسين، عثرنا عليه بساحة البريد المركزي بإحدى الولايات الداخلية، شكله كان جد عادي، يرتدي سروال جينز، وبزة سوداء وقبعة، ولا يبدو عليه أنه لا يملك مأوى، اقتربنا منه…”السلام عليكم”…سألناه عن اسمه، قال ”ياسين”، وواصلنا الحديث معه…”علاش راك تبات برا”….رد قائلا …”راني خدام في حسيبة ونسكن بعيد، وما عنديش وين نبات ”….والحالات التي تشبه حالة ياسين التي قابلناها ليلة أول أمس تعد بالعشرات، يأتون للعمل في العاصمة ولا يجدون مأوى يقيهم من برد الشتاء القارس، هؤلاء العمال كانوا يردون على سؤال المسعفين الاجتماعيين” تجيوا تابتو ليوم”، بجواب واحد …”رانا خدامين غدوا …في عطلة الأسبوع… نجيو”.
الفرقة التي كنا برفقتها، كانت توزع طول رحلتنا، أغطية، أكل وشراب ساخنا، وهي المساعدات التي من شأنها أن تساعد الأشخاص الذين رفضوا مرافقتنا إلى مركز بئر خادم، على البقاء أحياء في ظل موجة البرد القارس.
أمّهات وأبناؤهن يقضون عطلة نهاية الأسبوع.. في ”الطليبة”
وقفنا على ظواهر غريبة جدا خلال الدردشة القصيرة التي جمعتنا بعدد منهم، خاصة النساء اللواتي كنا يبدين نوعا من الثقة في المرفقات الاجتماعيات، حيث تحدثوا بكل طلاقة عن حالتهم الاجتماعية، وبوصول القافلة التي كنا برفقتها إلى شارع عميروش، حتى وجدنا فئة أخرى من الأشخاص بدون مأوى، متمثلة في أمهات قدمن من ولاية عين الدفلى، البويرة، وعدة ولايات وسطى قريبة من العاصمة، وجدنا أزيد من 5 نساء رفضن مرافقتنا إلى المركز، بسبب ارتباط أبنائهن الذي يرافقوهن ”للطليبة” بشوارع العاصمة أيام نهاية الأسبوع فقط.
قاصر في 17 من عمره طردته زوجة والده …لم يجد معيلا له
ونحن نجوب شوارع العاصمة ليلا، وجدنا الكثير من الحالات التي يندى لها الجبين، غير أن الحالتين اللتين أثرتا في الفريق العامل في تلك الليلة، هو الوضعية التي وجدنا عليها شابا في 17 من عمره، يدعى محمد، من منطقة الشراعبة شرق العاصمة، كان يرتدي خفا صيفيا، بزة سوداء مبللة من كثرة تساقط الأمطار عليه، وسروالا ممزقا، تقرب منا طالبا مرافقتنا إلى المركز، وبحديثنا معه قال أنه توقف في مشواره الدراسي عند الخامسة ابتدائي، طُرد من المنزل من قبل والده وزوجة والده ليلا، ويجهل الوجهة التي عليه اللجوء إليها، المساعدات النفسانيات قدموا له شرابا ساخنا، وقاموا بمساعدته إلى غاية تسوية وضعيته، فيما تمثلت الحالة الثانية، في عائلة بدون مأوى مشكلة من زوج وزوجته وطفلة صغيرة طردهم صاحب المنزل ، فيما قامت مصالح المرافقة الإجتماعية بمرافقتهم إلى المركز.