بداية الحرب على سلال
الحكومة تعترف أن مطالب سكان الجنوب مشروعة.. والولاة في قفص الاتهام
تناقلت صفحات على موقع التواصل الاجتماعي ”فايس بوك”، نهاية الأسبوع، أنباء تتحدث عن الشروع في عملية جمع توقيعات تحضيرا لمسيرة مليونية يوم الخميس المقبل بورڤلة، حيث يسعى أصحاب المبادرة للمطالبة بتنحية الوزير الأول، عبد المالك سلال، من على رأس الحكومة.يقول الساعون لتنظيم المسيرة، إن مبادرتهم تأتي كرد فعل من الشباب البطال على تصريحات منسوبة إلى سلال، ويُزعم أنه وصف فيها شباب ورڤلة المحتجين بالشرذمة، وذلك عقب خروجهم في مسيرات احتجاجية للمطالبة بالتوظيف في حاسي مسعود. ويبدو أن سلال المعروف بعلاقته الطيبة مع أعيان وسكان الجنوب، على خلفية عمله لسنوات كرئيس دائرة ثم كوالٍ، في تمنراست وأدرار، والذي وضع منطقة الجنوب فور تنصيبه على رأس الحكومة ضمن أولوياته، سيواجه جهات غاضبة محسوبة على الجنوب تريد جعله كبش فداء، ومشجبا للتعليق فشل السياسات المتعاقبة للحكومات منذ سنوات في تنمية مناطق الجنوب.فرغم مضي فترة قليلة على وصول سلال إلى منصب الوزير الأول، إلا أن الأشهر الستة التي أعقبت تكليفه برئاسة الجهاز التنفيذي، كشفت أن الرجل يولي عناية فائقة بمنطقة الجنوب، من خلال الزيارات الميدانية والمكوكية التي أجراها للمنطقة أو التي كلف وزراءه بالقيام بها، كما أن قراءة بسيطة في حركة سلك الولاة التي أجريت منذ أيام، تكشف أن تلك الحركة مست بشكل خاص ولاة الجنوب، باستثناء ولايتين فقط.وبقدر ما فاجأت مبادرة المسيرة المليونية العديد من المتتبعين لمستجدات الساحة السياسية، بقدر ما دفعتهم إلى القول بأن سلال قد يذهب ضحية حرب تموقعات واستعدادات للانتخابات الرئاسية المقبلة. ويعتمد هؤلاء في قراءتهم للواقع السياسي للبلاد، كون المطالب التي يرفعها سكان الجنوب وبالأخص فئة الشباب مثل التشغيل، هي كلها مشروعة، وهو ما تؤكده الحكومة نفسها على لسان الوزير الأول، الذي يكون قذ شرع في اتخاذ أولى الإجراءات العملية، من خلال عزل وتحويل ولاة وتعيين آخرين، وذلك في سياق حركة تغييرات كبيرة، من المقرر أن تمس أيضا مسؤولي وكالات التشغيل في الأيام المقبلة.لكن ما دامت مطالب شباب الجنوب مشروعة، وما دام الوزير الأول غير مسؤول عن معاناتهم، كونه تحمل المسؤولية على قيادة الجهاز التنفيذي منذ ستة أشهر فقط، لماذا لم يتوصل الطرفان إلى حل، بل ولماذا لم يجلسا على طاولة الحوار؟ والأهم من كل ذلك، من هو المستفيد من إثارة الغضب ضد شخص سلال، من خلال محاولة إثارة الصدام بينه وبين شباب منطقة ورڤلة البطال.وبعيدا عن عمليات التخوين والاتهامات المجانية لأصحاب المطالب ودعاة تنظيم المسيرة المليونية، كونهم أصحاب حق، ولأن حكومة سلال ما تزال حديثة العهد، ولا يمكن تحميلها بشكل كامل وزر الحكومات التي سبقتها وفشل سياسات الدولة الجزائرية لمدة خمسين سنة، يبدو وجود طرف ثالث، يسعى للوقيعة بين الطرفين الآخرين، خصوصا وأن الظرف يتزامن مع عدوة الوزير الأول للحديث عن تعديل السدتور، وما يتضمن ذلك من استعداد للمواعيد السياسية المقبلة في الجزائر، خصوصا انتخابات 2014 الرئاسية. ويقول متتبعون، إن حكومة سلال قد ولدت ميتة منذ تشكيلها، ويعتمدون في ذلك على كون كافة الحكومات الجزائرية التي قادها تكنوقراطيون، كانت حكومات ظرفية ولم تعمر أكثر من سنتين كأقصى تقدير، لكونها كانت تهدف لتحقيق أهداف محددة، مثل حكومة سيد احمد غزالي في بداية التسعينات، وحكومة اسماعيل حمداني في نهاية التسعينات، ثم حكومة بن بيتور، حيث كان الهدف في تلك المراحل هو تنظيم استحقاقات مصيرية، وضمان تصريف شؤون الدولة بصفة مؤقتة، لكن هل ينطبق على سلال ما انطبق على من سبقه من تكنوقراط؟ ويستشهد أصحاب الطرح بما قاله سلال نفسه، عندما لمّح في العديد من المرات إلى أن ”مهمته الأساسية هي ضمان السير الحسن للمواعيد السياسية الهامة التي تنتظر الجزائر، والعمل على توفير الأجواء الملائمة التي تضمن نجاح هذه المواعيد الانتخابية المقبلة، من خلال تحقيق السلم الاجتماعي وإخماد التوترات والاحتجاجات والإضرابات التي تعاني منها مختلف القطاعات”. لكن حتى وإن صدقت فرضية محدودية مهمة سلال وفترة صلاحية حكومته، إلا أنه يمكن أن تكون مبادرة مثل المسيرة المليونية، عائقا أمام الوزير الأول في تحقيق مهمته المؤقتة، وتلك الأهداف محددة الزمان والمكان.؟ يبقى أن نؤكد مرة أخرى، أن مطالب سكان ولايات الجنوب مشروعة، وأن من واجب السلطات تحمل مسؤولياتها والاستماع لانشغالات شباب الجنوب، لكن من غير المعقول أن يتم تحميل وزير أول عمره على رأس الحكومة 6 أشهر ومحاسبته على فشل سياسات دولة عمرها 50 سنة.