تعرضت لمحاولات اغتيال وأنيس رحماني وقف إلى جانبي في قضيتي مع القذافي
الإرهاب خطف مني خطيبي.. وهذا الكتاب من أجل روحه
هي من بين الإعلاميات اللاتي عايشن العشرية السوداء، وذقن من مرارتها، فقدت أعزّ الأشخاص لديها، وشاهدت بأم عينيها رؤوسا مقطوعة، تميّزت في المجال الأمني، واستطاعت أن تفتك مكانة في الساحة الإعلامية، هي الإعلامية المتخصصة نائلة بن رحال.
بداية، هل كنت تحلمين أن تكوني صحافية؟
- لقد درست في الثانوية تخصص رياضيات وتحولت في النهائي إلى تخصص علمي، وكان حلمي أن أصبح قاضي أحداث، ووالدتي كانت تحلم أن أكون طبيبة، وكنت أكتب قصصا وخواطر نشرت لي في “الشروق العربي” و“المساء“.
إذن الإعلام لم يكن اختيارك؟
والله لم يكن اختيارا، بل أرغمني القدر، نظرا للظروف الأمنية التي كانت تفرض علينا خياراتنا، كنت قد قُبلت في تخصص صيدلة، لكن نظرا للظروف الأمنية المتدهورة، اضطررت إلى اختيار شعبة حيث تكون الجامعة قريبة من مسكني واخترت تخصص تاريخ.
فسري أكثر كيف غيّرت الظروف الأمنية تخصصك؟
– كان الخروج من المنزل مغامرة بالنسبة لفتاة تدرس في الجامعة، ولذلك إذا كنت قد رفعت تحدي مواصلة دراستي الجامعية بدون اللجوء إلى غرفة في الحي الجامعي، فقد كان عليّ بالمقابل اختيار تخصص في جامعة قريبة، مراعاة للوضعية الأمنية، وسأصدمك لأن في الحي الذي كنت فيه، لم تكن موجودة إلا ثلاث فتيات.
بالرغم من هذا واصلت الدراسة؟
– نعم، في أحد الأيام كنت مقبلة على امتحان، وخرجت على الساعة الرابعة ونصف في يوم ممطر ومظلم، كنت أركض بسرعة حتى لا أفوّت الحافلة الوحيدة، عندها مرت سيارة أمامي، وبفعل الأضواء، اكتشفت أجهزة “بارابول” عليها رؤوس مقطوعة، علمت لاحقا أنها 7 رؤوس لأشخاص، منهم أفراد أمن وجنود الخدمة الوطنية، اغتيلوا ليلا ذبحا ووضعت رؤوسهم ليكونوا عبرة.
هل كنت تخافين من هذه المشاهد المريعة؟
– طبعا كأيّ إنسان طبيعي يرى شخصا مذبوحا، لكن مع مرور الوقت، أصبح مشهدا يوميا تعوّدت عليه.
وحالتك النفسية كيف كانت؟
– لم تكن إرادة بقدر ما كانت رغبة شديدة في تحقيق حلم والدتي، التي ضحت بكل شيء من أجل تعليمي ووصولي إلى مراتب عليا، لقد كنت مضطرة لكتم مشاعري وردود أفعالي، لأن كل رد فعل قد يؤدي إلى العقاب في تلك الفترة، وكنت مجبرة على التحمّل مهما كانت بشاعة المنظر، وأفشي لك سرا.
تفضلي؟
– فقدت صديقا عزيزا جدا علي.
هل كان يسكن في بن طلحة، وكيف قتل؟
– سمعت طلقات نارية ذات صباح، وعند وصولي إلى المكان، كنت أود الصراخ والبكاء، لكنني لم أستطع خشية من وجود بعض الإرهابيين الذين يراقبونني، فذهبت إلى الجامعة وأكملت امتحاني، وبعدها انفجرت بكاءً، لقد كان شعورا مريرا بالعجز والجبن.
هل خطيبك هو الصديق الذي حدثتني عنه؟
– أجل، لقد كان خطيبي وصديقي ويعني لي الكثير.
لا زلت تتذكرينه إلى حد اليوم؟
– أجل كثيرا
ألم تحبي شخصا بعده؟
– لم أتمكن، حاولت لكنني كنت كل مرة أقوم بالمقارنة، أفشل في النهاية، لأن قلبي لم يستطع أن يسع غيره، مشكلتي أنني أذكره في كل مشكلة تصادفني، في حياتي وفي كل لحظة فرح أو نجاح أتمنى حضوره.
لهذه الدرجة؟
– لقد تحدى الوضع الأمني وعائلته والقدر من أجلي، لكنه لم يستطع أن يتحدى الموت، ورحل باكرا جدا، ومشكلتي أنني تعلقت به أكثر وعرفت قيمته بعد رحيله.
الكتاب الذي أنت بصدد تحضيره، هل يتحدث عنه؟
– أجل تحديت نفسي بكتابة هذا الكتاب، لأنني لم أكن أملك الشجاعة لذلك، وفاءً له ولكل ضحايا الواجب الوطني، تعرفين أنه إلى غاية اليوم عندما أمر على المكان الذي اغتيل فيه، ولو عن بعد، ترتعش قدمّي وأبكي، أريد من خلال كتابي أن يعرف الناس أنني لم أكن جبانة عندما واصلت طريقي، ولم أكن ضعيفة أو خائنة عندما تركته مضرجا في دمائه ولم أسعفه.
نائلة كنت بين الصحافيين الذين يتابعون الشؤون الأمنية، وكان لك السبق، هل يكمن السبب في الفترة التي عشتها؟
– لا أبدا، كما أشرت لك، كنت متتبعة ولم أكن أكتفي بالأخبار بل بالتحقيق والتحري، فما عشته في مجزرة بن طلحة استأصل كل مشاعر الخوف لدي، وجعلني أبحث عن حقيقة الأشياء فقط، ولذلك كنت أتنقل بدون أي مرافقة أمنية إلى قياديين في الجماعات الإرهابية.
هل صحيح أنه تمّ اختطافك من طرف الجماعات الإرهابية؟
– كان هناك مخطط لاختطافي وأبلغتني مصالح الأمن رسميا عدة مرات بذلك، وتم توقيف عناصر شبكة دعم وإفشال المخطط، لكنني نجوت بفضل الله ودعوات والدتي.
كنت من بين أول الإعلاميين الذين أجروا حوارا مع حسان حطّاب، كيف وصلت إليه؟
– كما أخبرتك، كنت أبحث عن حقيقة الأشياء من مصادرها وأصحابها، حطّاب كان أمير ما يسمى بالجماعة السلفية للدعوة والقتال، وكانت في خلاف مع “الجيا“، إضافة إلى أن جماعته كانت منتشرة في مناطق محددة، وعلى صلة مباشرة بمواطنين، وهذا ما ساعدني في الوصول إليه. لم يكن الوحيد الذي التقيته، لقد سبق لي وأن التقيت بكرطالي وبن عايشة من قيادات “الآيياس” أو ما يعرف بـ“الجيش الإسلامي للإنقاذ“، والتقيت أيضا بقيادات “الفيس” المحظور قمازي، وعلي جدي وبوخمخم، وحتى علي بن حاج في بيته مباشرة بعد الإفراج عنه.
تعرضت إلى محاولة اغتيال سنة 2006؟
– كانت عدة محاولات وليست واحدة، سنة 2006 شهدت على الصعيد الأمني تحوّلا في النشاط الإرهابي من المجازر إلى التفجيرات الإنتحارية، لن أقول لك إننا قدنا حربا إعلامية ضد ما كان يسمى “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي“، لكن كانت هناك استراتيجية عمل تحت إشراف مدير التحرير آنذاك والرئيس المدير العام لمجّمع “النهار” اليوم، السيد “أنيس رحماني“، كنا نسعى إلى الكشف عن حقيقة وأهداف الجماعات الإرهابية لوقف تجنيد الشباب خاصة القصّر.
نائلة.. الحقيقة التي يعرفها الجميع أنك اشتهرت في جريدتي “الشروق” و“النهار” ثم غادرتهما، لماذا؟
– لم أشتهر، أنا أتقزز من هذه الكلمة، بل وجدت هامشا من الحرية وكثيرا من التأطير والتقدير، ولا أنكر أن السيد “أنيس رحماني” كان وراء النجاحات التي حققتها، لأنه كان متابعا ومؤطرا، لقد غادرت لأنني كنت أبحث عن آفاق أخرى، والسيد “أنيس رحماني” كان سندي في قضيتي مع القذافي، وعندما تعرضت للتهديد، كان الأحرص بعد والدتي على أمني وسلامتي.