جزائريون يصومون تحت حرارة 40 درجـة وفــي الأشغـــال الشــــاقّــة
يكسّــرون الأحجـار ويصبـرون على العطـش إلـى غايـة الإفطـار
”نصوم رمضان على الرغم من أننا نفطر على الغبار مباشرة بعد دخول المحجرة”، بهذه الكلمات استقبلنا عمّال إحدى المحاجر التي قمنا بزيارتها في ولاية سطيف، المعروفة بكثرة هذا النوع من المناجم التي تُستخرج منها الرمال والحصى المستعملة في البناء، كانت على وجوههم أثار التعب، وعلى الرغم من الحرارة التي تعدت 04 درجة، إلا أنهم فضلوا الصوم، وأكدوا أنهم معتادون على ذلك ولا يمكنهم أن يفطروا حتى ولو كانت المشقة كبيرة، لكونهم لم يفتيهم أحد بذلك، وحتى لو تم ذلك فإنهم لن يفعلوا لأن رمضان شيء مقدّس بالنسبة إليهم. كانت الساعة تشير إلى منتصف النهار، عندما وصلنا إلى إحدى المحاجر المتواجدة في جبال الرمادة ولاية سطيف، الشمس تتوسط السماء، الحرارة تتجاوز 50 درجة في ذلك اليوم، الغبار يغطي المكان، وجدنا العمال يستعدون للمغادرة بعدما بدأوا العمل في ساعات مبكرة من اليوم من أجل الخروج باكرا، لم يستطيعوا التحدّث إلينا من شدة التعب، شفاههم جافة من شدة الحرارة، إلا أنهم يقاومون ومستعدون كما قالوا لإكمال الصيام إلى المغرب. جلسنا في الظل تحت إحدى الآلات المخصصة للحفر وتكسير الأحجار، ملابسهم مغطاة بالغبار الذي كان يتناثر في المكان، وعلى الرغم من أن العمل أصبح كله بواسطة الآلات، بعدما تم الاستغناء تقريبا عن الوسائل اليدوية في هذه الأماكن، إلا أن العمل فيها يبقى دائما شاقا، ويتطلب جهدا كبيرا بسبب الوضعية التي يتم فيها العمل، أين تغيب أدنى الشروط الملائمة لسيرورته، إذ وجدناهم محروميين من أبسط أدوات الحماية، حتى من الغبار الذي كان يملأ المكان لدرجة انعدمت فيها الرؤية فيه، أضف إلى ذلك مختلف الأخطار المحدقة بهم جرّاء إمكانية تساقط الأحجار من الأعلى. وعلى الرغم من معاناتهم اليومية خلال العمل في المحجرة، إلا أنهم فضّلوا العمل في الشهر الفضيل، ومواجهة مشقة الحياة ـ حسبهم -، وأكدوا أن الأئمة أمروهم بالإفطار في حال لم يستطيعوا إكمال الصوم، لأن العمل تحت درجة حرارة مرتفعة يصعب تحمّله في أيام الإفطار فما بالك في أيام رمضان، الذي يحتاجون فيه لطاقة أكبر. ولحسن الحظ أنهم لم يتأثروا كثيرا بالصوم الذي تزامن هذه السنة مع أيّام الحرّ، وقال أحد العمال يتعدى عمره 50 سنة، أنه لم يحس بالتعب في رمضان، يصوم ويقوم التراويح من بدايتها إلى نهايتها بصفة عادية جدا، خصوصا بعدما وضعوا لهم برنامج للعمل من الصباح الباكر إلى غاية منتصف النهار، والذي ناسبهم كثيرا خصوصا الذين يسكنون بعيدا، وقال آخر يعمل في آلة للتنقيب، والذي لم يُخفِ معاناته من الغبار، إنه يصوم رمضان لكنه يفطر يوميا ومنذ بداية العمل على كميات من الغبار التي تدخل صدره. غادرنا المكان برفقتهم، لكن شعورنا بتلك الحرارة التي لم نستطع تحمّلها لم يفارقنا، على الرغم من النسمات العليلة الصادرة من مكيّف السيارة والتي كانت تنعش أجسادنا.