حبّي الكبير لها جعلني أمَّا فاشلة
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته… وبعد…
سيّدتي الفاضلة نور، لطالما قرأت لك وأُعجبت كثيرا بما تُقدّمينه في سبيل إسعاد الغير، إسعاد كل مهموم ضاقت به الحياة، الأمر ذاته الذي جعلني أطرق باب قلب الأم فيك قبل أن أتوجّه إليك كسيدة ترشد وتنصح وتنير الدروب، فأنا أم قلبها يحترق على فلذّة كبدها التي أفرطت في تدليلها.سيدتي نور.. أعترف أني السبب في ما أعانيه مع ابنتي الوحيدة، فأنا سيدة متزوّجة وشاء القدر أن أرزق بفتاة واحدة؛ فقد واجهتني بعض الصعاب لأنجب ثانية، جعلتها حياتي وأغدقت عليها من حناني لدرجة أني فضّلتها حتى على زوجي الذي هو والدها، وصرت أمنعه حتى من التدخّل في شؤونها، فقد كنت أعدّ نفسي الوحيدة التي تحبّها والتي تعرف مصالحها، والتي يجب أن تسهر على راحتها.كبرت الفتاة ونحن على ذات الحال، أبرّر كل أفعالها وكل أخطائها وأغلّط الكلّ في سبيل عدم إزعاجها، أعترف أني بالغت في ذلك؛ بل إني كنت مخطئة، كنت أظنّ أني بتلك الطريقة أُحسن تربيتها، فإذا بي أخسرها وأخسر الإبتسامة من حياتي، فابنتي وبسبب الحرية الزائدة التي أعطيتها لها أصبحت اليوم وهي في سن العشرين لا تحترمني، وبوادر الطيش بادية عليها، فبعد أن أهملت دراستها، ها هي تصاحب اليوم رفقاء لا أعرف عنهم ” لا أصل ولا فصل”، ترتدي لباسا غير لائق، تدخل وتخرج من دون أن أدري إلى أين، بل ليس لي حتى الحق في السؤال.أنا جدّ مقهورة سيدتي.. فأنا أرى ابنتي في طريق الانحراف من دون أن أستطيع فعل شيء، إنه طريق لا يرحم ولا يفرّق بين كبير وصغير، وابنتي أنا أعلم بها، لا تملك من الحيلة ما يكفي لتخرج من التجارب بأقلّ ضرر ممكن، الكلّ الآن يعاتبني ويرجع اللّوم عليّ؛ فأنا من أفرط في تدليلها، وأنا من تحدّى الجميع من أجلها؛ بما فيهم والدها، أرجوك أنيري دربي وقولي كيف أتصرّف معها من دون أن أزيد الطين بلّة.
سيدة من الغرب
الرّد:
سيّدتي.. أشكرك كثيرا على ثقتك فينا التي لن تزيدينا إلا مسؤولية تُجبرنا على العمل أكثر من أجل إسعادكم والعمل على راحتكم، لكن اسمحي لي إن عاتبتك قليلا، وقلت أنك السبب وراء الوضع الذي عليه ابنتك الآن، ولربما مشكلتك هذه تكون عبرة لكلّ الأولياء، فلا إفراط ولا تفريط.لكن تأكّدي.. أنّه بالتروّي والتعقّل تحلّ الأمور، واعلمي ما للّين والرفق من أثر كبير وفعّال في حلّ أية مشكلة، عزيزتي إن أوّل ما يجب أن تضعيه نصب عينيك هي الفترة الحسّاسة التي تمرّ بها ابنتك، ألا وهي فترة المراهقة، لذا عليك مراعاة حالتها النفسية بصفة كبيرة، فالعنف والعصبية في هذه الفترة وخاصة بعد الدلال الذي عرفته ابنتك منك لن يُجدي نفعا، بل سيجعلك تخسرينها أكثر وأكثر، كذلك التشدّد والكلام معها بلغة الأمر، أمر لن يرسو بك على برّ الراحة، لأن ذلك سيشعرها بعدم الأمان، وقد يؤدّي بها إلى ما لا ترضيه لا أنت ولا هي، لذا عليك إحلال لغة الحوار والمناقشة الهادئة وتوعيّتها بما لها من حقوق وما عليها من واجبات، وأنه تماما كما لها حرّيات شخصية في حياتها عليها أن تحترم حريات الآخرين، وأظن أن أهم لغة يجب انتهاجها هي لغة الترغيب في النتائج الحميدة إن هي غيّرت من تصرّفاتها، والترهيب من عواقب طيشها ولامبالاتها، كما أنصحك بالتقرّب إلى ابنتك والتودّد إليها ولما لا؟، مرافقتها في خرجات تشعرها بالطمأنينة وتفتح لك قلبها والتمكّن من فك لغز تعنّتها وعنادها.حاولي أن تشاركيها بعض هواياتها وأن تدعمي دراستها التي أنت والكلّ يعلم ما لها من أهمية في تحديد ملامح مستقبلها.سيّدتي.. يجب عليك أن تُقحمي والدها في الإرشاد والتوجيه لما للأب من هبة في البيت، فأكبر خطإ اقترفته هو تفضيلها على الكلّ، لدرجة أن جعلتها تفكر أنّها الوحيدة التي تجيد التصرّف والوحيدة التي لها الحق في الحرية كاملة، حتى أنت لم يعد لديك الحق في نقاشها أو توجيهها، لكن تأكدي أنك إن أنت تداركت الأمور وغيّرت نوعا ما من تصرّفاتك معها ستنجحين في احتوائها وتوجيهها أحس توجيه يجعلك تفتخرين بها لاحقا.عزيزتي.. أنا أحسّ تماما ما تشعرين به، فقلب الأم أول قلب ينفطر على أبنائه، خاصة وإن كانوا على خطإ، وما رسالتك هذه إلا صرخة عن خطإ اقترفته عن حب، كيف لا وهي ابنتك الوحيدة.
أنا أفهمك تماما، لكنه الوقت المناسب لتصليح ما فات بقليل من الذكاء والحنان؛ أكيد ستكونين ووالدها الأسعد بها، وفّقك اللّه وكان في عونك.
ردّت نور