حتى لا يفوت الأوان
كشف الاعتداء الإرهابي الذي استهدف عشية أمس الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال، والذي خلف 12 شهيدا من صفوف الضباط، عندما كانوا بصدد الإفطار، أن الإرهاب في الجزائر قد أثبت مرة أخرى أنه فقد كل مصداقية ونزع عنه بهمجيته كل شرعية على اعتداءاته، بدليل أن الضحايا المستهدفين من خلال هذا العمل الجبان، هم ضباط من أبناء الشعب الجزائري، كانوا مثل غيرهم من الجزائريين بصدد الإستعداد للإفطار من صيام يفرضه دين الإسلام عليهم مثل باقي المسلمين في كل أنحاء العالم، فكيف يجوز تكفير وهدر دم الصائم وبأي حق؟ وبصرف النظر عن الطريقة والوسيلة التي لجأ إليها الإرهابيون لتنفيذ جريمتهم، وهي الغدر بدلا من المواجهة المباشرة، وهو الامر الذي ما فتئ يتكرر في كل اعتداء إرهابي، ويثبت ضعف المغرر بهم ماديا وانهيارهم معنويا، فإن التوقيت الزمني الذي اختير لاعتداء شرشال جاء بدون شك ليثبت للجميع في الجزائر وخارجها، أن المخاوف التي أطلقتها الجزائر والهواجس التي عبرت عنها في أكثر من مرة بشأن الوضع الأمني في ليبيا، في إشارة إلى تحول الساحة الليبية إلى مستودع أسلحة وذخائر مفتوح على الهواء، كانت في محلها، وأن الإرهاب العابر للبلدان والقارات إن تواجدت قواعده الخلفية في بلد من البلدان فإنه سيضرب لا محالة في بلد آخر من دول الجوار أو حتى في ما وراء البحار، متى سنحت له الفرصة.
فعندما عبّرت الجزائر بتحفظ وحياد عن موقفها تجاه التطورات في ليبيا، كان المقصود من المخاوف والتحذيرات التي أطلقتها هو التنبيه لخطر تحويل منطقة شمال إفريقيا إلى أفغانستان جديدة، بكل ما تعنيه الكلمة من تطابق، باستثناء الاختلاف في الجغرافيا والزمان
وعندما نستعمل عبارة ”أفغنة” شمال إفريقيا، فإن الأحداث التي تعرفها منطقة شبه جزيرة سيناء في مصر وتحولها إلى إمارة إسلامية غير معلنة يقودها طبيب الزعيم السابق لتنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وما شهدته تونس من فلتان أمني تجسد في وقوع أكثر من اشتباك مسلح بين الجيش التونسي وعناصر إرهابية، بالإضافة إلى ما يُحضّر في الخفاء بليبيا، هي مؤشرات تنبئ كلها بأن الغرب الذي حوّل من حيث يدري أو لا يدري المقاتلين الأفغان إلى غول للإطاحة بالاتحاد السوفياتي، من خلال دعمهم بشكل مطلق سنوات الثمانينات، سرعان ما كان أول المتضررين منه.
وواقع الحال اليوم، يقول أن الدعم العسكري الذي تقدمه دول حلف الناتو وبالأخص فرنسا، لثوار ليبيا دون التحقق والبحث في مصير ذلك الدعم، سيكون له بدون أدنى شك الأثر السلبي على كامل أوروبا وربما غيرها، لينطبق عليها المثل القائل ”وانقلب السحر على الساحرس.
فهل يعي العالم، أن ما تحذر منه الجزائر اليوم ويتم تجاهله سيكون أمرا واقعا غدا، مثلما حصل في بداية التسعينات عندما كانت الجزائر تواجه لوحدها آلة الإرهاب وسط تجاهل أو حتى دعم غربي للإهراب من تحت الطاولة، قبل أن تقع الفأس على الرأس ويستذكر الجميع غداة أحداث 11 سبتمبر ما حذرت منه الجزائر دوما، لكن بعد فوات الاوان؟.
شماتة.. وتزامن غير برئ!
جاء الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أكاديمية شرشال، بعد أقل من 24 ساعة، من تصريحات أطلقها مسؤول عسكري في ما يعرف بالمجلس الانتقالي الليبي دعا فيها الجزائر إلى الاهتمام بمكافحة الإرهاب على أراضيها بدلا من وضع شروط مقابل الاعتراف بالمجلس الانتقالي. وأثار هذا التزامن الكثير من نقاط الظل والاستفهام، خصوصا وأن الاعتداء الذي استهدف أكاديمية شرشال، المؤسسة ذات الرمزية الكبرى في الجيش الجزائري جاء أيضا بعد ساعات من الزيارة التفتيشية التي قام بها الفريق أحمد قايد صالح للمناطق الحدودية المحاذية للتراب الليبي، أين تفقد الوضع والاستعدادات لمواجهة أي طارئ بسبب ما يجري في ليبيان هل كل هذا مجرد صدف أم أن في ذلك التزامن في الوقت والرمزية، رسائل أريد تمريرها؟.
أن يرد مسؤول عسكري في ثوار ليبيا، بدلا من مسؤول سياسي في المجلس الانتقالي على الجزائر، فذلك أمر يمكن تفهمه، بدعوى أن موضوع الجدال الذي جرى الخوض فيه كان مكافحة الإرهاب في ليبيا. لكن أن يتم استهداف الاكاديمية العسكرية في شرشال، ساعات فقط من تصريح المسؤول الليبي الذي خلا من أي دبلوماسية ولباقة، وأيضا ساعات فقط من زيارة قايد صالح للمناطق الحدودية بين الجزائر وليبيا، فهذا تزامن يستوجب التوقف عنده والبحث في معانيه. ولعل ما يعزز من الشكوك القائمة حول الربط بين ما يجري في ليبيا واعتداء شرشال، هو الموقف الذي أبداه مسؤولو ”دولة بنغازي” في ليبيا، والمتعاطفون معهم في الجزائر، عقب اعتداء شرشال عندما راحوا يحاولون استثمار تداعياته، للتدليل على صحة مواقفهم ووجوب اهتمام الجزائر بمكافحة الإرهاب على أراضيها، بطريقة لا تختلف كثيرا عن أسلوب الشماتة في محن الجزائر والجزائريين.