رشيدة داتي.. حرباء مخزنية في عباءة وزيرة ثقافة فرنسية
ليست المرة الأولى التي تتحول فيها رشيدة داتي إلى رأس حربة في خطاب فرنسي عدائي تجاه الجزائر.
غير أن اللافت هذه المرة مساهمتها البالغة في الوثائقي المنجز من طرف التلفزيون العمومي الفرنسي عبر قناته France 2 ضمن السياق السياسي الذي تأتي فيه. وسجلّ صاحبة المساهمة المليء بالجدل، القضايا، والتناقضات، لكن الفضائح أيضًا
داتي التي ولدت في فرنسا لأبٍ مغربي في السابع والعشرين من نوفمبر 1965. في شرق وسط فرنسا وترعرعت في كنف أسرة فقيرة مكونة من 12 طفلاً.
بدأت رحلتها كقاضية بدعمٍ مخزني ويميني ما اعتبر آنذاك مسار نادر لامرأة من أصولٍ مهاجرة. انضمت داتي الى محيط ساركوزي كمستشارة في ملفات الأمن والهجرة والعدالة. لكن بفضل دعمٍ من اليمين المتطرف المعروف بعداءه التاريخي للجزائر.
داتي التي تستعمل كأداة من اليمين المتطرف والمخزن شرعت أولى زياراتها وهي وزيرة للعدل إلى المغرب في 22أكتوبر 2007. فتشاركت طاولة العشاء مع محمد السادس رفقة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مرات عدة.
لكنها حافظت على حضورها في الاعلام المخزني حتى وهي بدون قبعةٍ سياسية. ولقت دعمًا منقطع النظير عبر الجرائد والاعلام الرسمي المغربي للاستمرار في خدمة الاجندات التي كُلفت بادارتها.
رشيدة داتي، التي تُقدَّم في فرنسا كـ«نموذج اندماج ناجح»، بنت مسيرتها على خطاب هجومي دائم. غالبًا ما يستهدف القضايا الحساسة المرتبطة بالهجرة، الذاكرة الاستعمارية. والعلاقات مع الجزائر.
هذا الخطاب لا يمكن فصله عن كونها سياسية تعيش منذ سنوات تحت ضغط قضائي وإعلامي غير مسبوق. بسبب ملفات فساد واستغلال نفوذ لا تزال معروضة أمام القضاء الفرنسي.
في الوقت الذي يُفترض فيه أن تلتزم وزيرة ثقافة بخطاب يرمّم العلاقات الثقافية ويهدّئ الذاكرة. تختار داتي التصعيد، مستعملة الجزائر كـساحة تصفية حسابات سياسية داخلية. ورسائل موجهة إلى دوائر نفوذ معروفة داخل فرنسا وخارجها.
ازدواجية الانتماء أم توظيف الهوية؟
داتي، ذات الأصول المخزنية، لم تُخفِ يومًا علاقتها الوثيقة بالمؤسسات المخزنية العميقة. وحرصها الدائم على تقديم أوراق الولاء السياسي كلما احتاجت إلى دعم في لحظة حرجة.
مراقبون كُثُر في الإعلام الفرنسي والعربي تساءلوا عن طبيعة الشبكات التي تحميها. وعن سرعة صعودها مقارنة بكفاءات سياسية أخرى. خاصة في مراحل كان فيها حضورها السياسي ضعيفًا مقابل حجم المناصب التي شغلتها.
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحًا عندما نلاحظ أن داتي تتبنى، حرفيًا، مواقف تخدم أطرافًا إقليمية معروفة بعدائها التاريخي للجزائر. وتتماهى مع خطاب رسمي يتقاطع مع أجندات لا تخفى على المتابعين.
فهي أول وزيرة في حكومة فرنسية تقوم بزيارةٍ للصحراء الغربية في خطوة وُصفت بغير الشرعية ومُدانة على أكثر من صعيد. وتعكس استخفافًا فاضحًا بالشرعية الدولية من جانب عضو دائم في مجلس الأمن (فرنسا).
سجل قضائي يلاحق الخطاب الأخلاقي
من المفارقة أن تصدر الدروس في “القيم” و“السيادة” عن سياسية مُلاحقة قضائيًا بتهم ثقيلة. من بينها تلقي أموال مشبوهة، تضارب المصالح، وعدم التصريح بممتلكات ثمينة.
ورغم أن القضاء لم يقل كلمته النهائية بعد، فإن مجرد الإحالة على المحاكمة كافٍ لطرح سؤال المصداقية الأخلاقية.
كيف يمكن لسياسية تحيط بها كل هذه الشبهات أن تستمر دون دعمٍ خفي.
فكيف لوزيرة متهمة في قضية الفساد واستغلال النفوذ المتعلقة بعلاقتها مع مجموعة «رونو-نيسان» (Renault‑Nissan): منذ عام 2019 فتحت النيابة الفرنسية تحقيقًا يتهم داتي بتلقي مبالغ مالية تبلغ نحو 900,000 يورو بين عامي 2010 و2012 من شركة فرعية لمجموعة «رونو–نيسان» خلال فترة عملها كعضو في البرلمان الأوروبي، دون تقديم خدمات حقيقية تبرر هذه المدفوعات. وهو ما قد يشكّل فسادًا واستغلال نفوذ ومخالفة لقوانين النشاط البرلماني الأوروبي.
وقد أحال قضاة التحقيق القضية إلى المحاكمة أمام محكمة جنائية في فرنسا، ومن المتوقع انعقادها في سبتمبر 2026.
تحقيقات قضائية حديثة في قضية مرتبطة بشركة “GDF Suez”
(الطاقة/الغاز): في ديسمبر 2025، قامت الشرطة الفرنسية بـ تفتيش منازل وزيرة الثقافة ومكتبها ومقر بلديتها في باريس. في إطار تحقيق جنائي حول شبهات فساد وتلقي مبالغ مالية غير معلنة (المبلغ المُشتبه به نحو 299,000 يورو) من مجموعة “GDF Suez”. خلال عملها كـنائبة أوروبية، دون إبلاغ البرلمان الأوروبي عن مصدر هذه الأموال. وهو ما يُعد شبهة فساد وعدم تصريح عن دخل.
اتهامات إضافية مرتبطة بالشفافية المالية
هناك تقارير تشير إلى تحقيق بشأن عدم التصريح عن مجوهرات ثمينة (بقيمة قد تتراوح بين 420,000 و600,000 يورو تقريبًا). لدى تولّيها مناصب عامة، وهو ما فتح تحقيقًا من طرف النيابة الفرنسية ضمن فرقة مكافحة الفساد.
كيف لداتي أن تستمر دون دعم ؟ وربمَا زيارتها للصحراء الغربية بايعازٍ من المخزن ضمن لها الاستمرارية .
الجزائر ليست شماعة
الجزائر، بتاريخها وثورتها وذاكرتها، أكبر من أن تُستعمل كورقة في معارك انتخابية فرنسية أو كمنصة لتبييض صورة سياسية مأزومة. ومحاولات استفزازها عبر شخصيات مثيرة للجدل لن تؤدي إلا إلى تعرية أزمة الخطاب السياسي الفرنسي نفسه تجاه ماضيه الاستعماري.
إن الهجوم على الجزائر لن يمحو ملفات الفساد، ولن يمنح حصانة أخلاقية، ولن يغيّر حقيقة أن الشعوب تحفظ الذاكرة… وأن التاريخ لا يُكتب بالتصريحات، بل بالحقائق.
احفظِ الدرس جيدًا يا داتي لعل رحلة السقوط قد بدأت..
