رمضان أعظم مدرسة علمتنا الكثير بالرغم من وقته القصير
إنه رمضان الخير والنور، رمضان العطر والطهر، رمضان الصلاة والذكر تغرّد المآذن بأعذب الألحان، وتشدو البلابل ـ أئمة التراويح ـ بأجمل الأصوات، ولئن كنا نعيش في كل الشهور للحياة فإننا نعيش الحياة في رمضان، ولئن كانت كل الشهور للجسد فهذا الشهر للروح، رمضان الذي ينظر منه يرى ظلالا وربى وجنانا، رمضان أراه في حلقات الذكر، وفي صفوف المصلين، رمضان يفيض بريحان الود، وسرعان ما ينقضي، لا نجده حتى نفقده، ولا يكاد يبدأ حتى ينتهي.هذا رمضان شهر الحب، شهر تظهر فيه كل أسرار الحياة، وكم علّمنا هذا الشهر من أسرار وأسرار، شهر علمنا الحب، علمنا الود، علمنا كيف نغسل قلوبنا بماء البرد، ونجمّل أفواهنا بحلاوة التمر، ولازال هذا الشهر يعلمنا الكثير.كان يضيع الصلوات ولا يلتزم بها وخاصة الفجر، كان يرى أنها ثقيلة كالجبال، وأن لذة نومه ليست إلا في تلك الدقائق فقط، يأتي رمضان ليتغير هذا الإنسان، يتبدد هذا الوهم، يتحول هذا الفتور إلى نشاط، فتراه في الصف الأول كل يوم إنها مدرسة الصيام وهكذا رمضان يعلمنا.كانت علبة السجائر لا تفارق جيبه، يهرب من مشاكل الحياة وضغط الواقع إلى نفثة مسمومة يدخلها في جوفه ويلوث بها جمال الحياة، يأتي رمضان فيتغير كل شيء يمسك عن التدخين لساعات طويلة، والكثير منهم شد عزيمته فتركه للأبد.. هكذا رمضان يعلمنا.كان يجد الوقت لأصحابه، وتصفح مواقع التواصل، والجلوس مع الأولاد، ومتابعات المباريات، إلا أنه يتعذر بضيقه عند قراءة القرآن، كان لا يعرف طريق المصحف طيلة العام، ويأتي رمضان فيهتدي إليه، ويكتشف أسراره ويتلذذ بمعانيه، يلتزم بقراءته كل يوم ويتزود منه في كل حين وهكذا رمضان يعلمنا.كان يتمايل يمينا وشمالا لا يستطيع أن ينام دون أن يسد أذنيه بالسماعات ويستمع إلى مغنيه المفضل، لا تفوته أية أغنية جديدة، وينتظر بفارغ الصبر آخر ألبوم، ولكن ما إن أتى رمضان حتى بدأ يتعرف على القرآن، وجد فيه ما أبعده عن الغناء وأهله، كان أعلم الناس بالأغاني وصار أجهل الناس بها وأبعد الناس عنها، إنه رمضان يعلمنا.كان يجلس لينهش لحم إخوانه لا يكاد يسلم منه أحد، وحتى أصدقاؤه يتهربون منه فقد عرف بالطعن في الظهر، لا يجلس مجلسًا ويقوم منه إلا وقد نال من الكثير، ولكن جاء رمضان فغيره، أمسك لسانه وحفظ إخوانه، كلما همّ بالغيبة تذكّر، ولايزال رمضان يعلّمنا.في رمضان صام ثلاثين يوما، صلى كل الصلوات ما تخلف عن التراويح، تصدق وعبد وأطاع، إنجازات يصفق لها الكون ويهتف لها المجد وهكذا يعلمنا رمضان.رمضان الذي يتوب فيه كل عاص، وتسطع فيه أنوار كل القلوب، وتمتلئ الصدور محبة ورضا، سيرحل ولكن يبقى ذلك الرصيد الذي اكتسبناه منه يمدنا بالقوة كلما فترنا أو ضعفنا أو حاول الشيطان أن يقطع علينا الطريق.إننا نتعلم منه الكثير وكم نحن في حاجة إلى أن نستمر مع كل الدروس التي تعلمناها.
إبراهيم محمد الصديق