ساومتني بأعظم سيّدة في حياتي ونسيت أنها وراء جميع نجاحاتي
لم أكد أفتح عيناي على الدنيا، حتى وجدت أن ما جمع بينها وبين والدي انتهى، إلا أن هذا لم يثنها عن التسلّح بالإرادة والقوة على الرغم من أنها انكسرت وجرحت في كرامتها، فتفانت في تربيتي وحرصت على تعليمي أحسن تعليم وكلها طموح بأن أصبح إطارا أو شخصية مرموقة. فعاهدت نفسي أن لا يكون عكس ذلك أبدا، وبدأت رحلة الألف ميل من خطوة لم يكن الطريق فيها محفوفا بالورود بقدر ما كان كثير الأشواك والمخاطر.وكما سبق وذكرت، لم يكن الواقع بنفس جمال الأحلام والطموحات، حيث إني ذقت من المرارة والأسى الكثير ليس ضعفا مني وإنما لمرارة الواقع والحياة التي كنت أحياها، إلا أني لم أظهر ولا مرة لوالدتي ضعفي وهواني، وقد لا تصدقيني سيدتي الفاضلة إن أخبرتك بأني تمسكت بالدراسة كما أني اشتغلت وساعدت والدتي المسكينة التي لم تدّخر جهدا في مساعدتي وحثّي على الصبر والتسلّح بالإرادة، وكل أملها أن لا أكون لجميلها ناكرا.كبرت واشتدّ عودي، ونجحت وبلغت الحلم الذي كان سيكون مستحيلا بالنسبة لشاب مثلي ذقت طعم الحرمان واليتم، فأصبحت بعون الله طبيبا.ولأن الحياة ما هي إلا استمرارية، فقد بحثت بين بنات هذا الجيل من تناسب رجلا في نفس مستواي وقدري، وفعلا وجدت ضالتي في فتاة لها من العلم والأخلاق ما أستطيع التباهي به، ووضعنا معا لبنات حياتنا المستقبلية، لكن هيهات للفرحة أن تدوم.فتاتي سيدتي.. طالبتني وبصريح العبارة أن أتنكّر لمن وهبتني الحياة وأخذت بيدي حتى لا أنكسر أو أضيع، وأخبرتني بأنه ومن سابع المستحيلات لها أن تعيش إلى جانبها على الرغم من علمها بأنه لا أحد لأمي الغالية غيري، هالتني كثيرا هذه المساومة التي وإن دلّت فإنما تدل على أن العلم والأخلاق التي تظهر جليا على ملامح هذه الفتاة ما هي إلا شعارات ومظاهر لا غير. فالفتاة تريد أن تأخذني لها.التفكير لم يأخذن بعيدا، لأنّ القرار لرجل رضع الحنان والمشاعر الجميلة من أم أبت أن تعيد بناء حياتها حتى لا تجرح فلذة كبدها، لا يجب أن يكون سوى العرفان بالجميل، فتخلّيت عن حلمي في الارتباط بالفتاة التي ظننت بأني أحبها وبأنها تحبني.لست أحسب نفسي مخطئا في القرار الذي اتّخذته فهو عين الصواب، ومن هذا الباب سيدتي أدعو شباب اليوم أن لا يفسحوا المجال لأي كان أن يجعل بينهم وبين ذويهم هوة أو فجوة، فما من كنز في الدنيا يضاهي حب الوالدين والقرب منهما، وما من سعادة إلا برضى الوالدين.أخاطبك سيدتي وكلي إحساس بأن الله سيعوّضني خيرا مادمت لم أختر سوى سبيل البرّ وطاعته، فيا أولي الألباب لا تغفلوا ولا تتوانوا عن طاعة الوالدين وخاصة الأم، وما رسالتي هذه إلا صرخة من خلال هذا المنبر لأشكر هذه السيدة الغالية وأشكرك سيدتي نور.
المطيع من سطيف
الرّد:
بارك الله فيك بني وسدّد خطاك إلى كل ما فيه خير وبركة في حياتك، ليس لي من هذا المنبر إلا أن أحيّيك على حسن قرارك الذي أثلج صدري وبيّن لي بأن هناك من أبناء هذا البلد من لايزالون يردّون الجميل بما هو أجمل منه.لم أكن لأصدق أن هناك من الفتيات المتعلمات المثقفات من تفكر بهذه الطريقة، فهي أيضا ستصبح في يوم من الأيام أما وستأبى بأن يفارق أي من فلذات كبدها جناحها تحت أي ظرف من الظروف، كما أنها تعلم نقطة ضعفك وقوتك المتمثلة في والدتك التي منحتها رجلا ما شاء الله عليه من العلم والأخلاق على طبق من ذهب تكمل معه مشوار الحياة، فكيف لها أن تساومك هذه المساومة الدنيئة؟.لقد قمت بما مكّنك من قطع كل فسيلة للشر والعقوق اللذين بإمكانهما أن يقلبا حياتك ندما وحزنا، ولتتأكد من أن الله سيعوّضك على هذا القرار خيرا في امرأة تخاف الله وتعلم تبعات العقوق ونتائج بر الوالدين. أتمنى أن تتأكد بني من أنك قمت بما من شأنه أن يعلي من قيمتك ويجعلك مرتاح البال دائما فليس هناك ما يدعو للحيرة والقلق؛ لأنك وإن أمعنت التفكير فإنك ستجد بأنك تستطيع التمعن في الاختيار بين آلاف البنات لتجد من في إمكانها أن تكون شريكة لحياتك، بيد أنه لن يكون بوسعك التفريط أو تغيير أمك الحنون مهما كان لأنها بمثابة الكنز الذي لا يمكن لأي كان التفريط فيه.لا تبك أبدا على خيبة أملك في الحب وفي سوء اختيارك لمن ظننتها شريكة حياتك، وعوض ذلك عليك أن تحمد الله لأنه كشف لك نية هذه الفتاة قبل وقوع الفأس في الرأس وحدوث الزواج الذي بقدر ما كنت تظنّه مشروع العمر، فقد كاد أن يكون بداية النهاية لرحلة الألف ميل التي قطعت على نفسك أن تخطوها بخطى ثابتة.لن يضيّع الله أجرك بني وسيعوّضك أحسن تعويض وتأكد من أن قصتك سيكون لها كبير الصدى في تنوير العقول والقلوب، وأشكرك لأنك وضعت ثقتك فينا وأدعو الله عز وجلّ أن ينور لك طريقك ويسدل حطاك ما دامت في سبيل الطاعة والبرّ.
ردّت نور