''طارزان'' يعيش في كهف داخل غابة منذ 50 سنة في عين تموشنت
كثرت الإشاعات والقصص الغريبة حول حياة الشخص العاري، الذي يعيش بولهاصة والذي تحول كهفه إلى مزار للمئات من الفضوليين، بعدما تداولت ألسنة الناس أنه يعلم الغيب ويمنح الرزق والعمل ويدفع الضّرر.. كلها إشاعات نُسبت لعمّى ”بن يوسف الصغير”، الرجل العاري الذي يعيش في جبال الوردانية التابعة لدائرة عين تموشنت في حدودها مع ولاية تلمسان. ”النهار” اختارت المغارة للوقوف على حقيقة الـ 50 سنة التي يعيشها مواطن جزائري في كهف، بأعالي جبال الوردانية بعين تموشنت، من دون رفيق ومجرّدا من اللباس.. هذه ليست خرافة أو دعابة، إنما هي حكاية من صميم الواقع يعيشها المدعو ”بن يوسف الصغير”، أصيل دوار ”الهداهدة” ببلدية ولهاصة.. وقد يتساءل البعض أو يستغرب كيف لهذا الشيخ البالغ من العمر 77 سنة أن يعــيش طيلة خمسة عقود من الزمن حياة البراري لكن شاءت الأقدار أن تكون هذه هي حياة ”عمي بن يوسف”.اخترنا يوم الجمعة، وشددنا الرحال من بلدية عين الطلبة إلى قرية الفاطمي العربي، أين رتبنا لقاءً مع دليل لنا إلى مكان عمي بن يوسف، وجهتنا كانت دوّار”الهداهدة التحاتة” الشريط الحدودي ما بين ولاية عين تموشنت وتلمسان، كان علينا المشي نحو نصف ساعة للوصول إلى عين المكان أين تتجلى أصالة أهالي المنطقة وجودهم.. طيلة الطريق الممتد وسط الحقول الخضراء ورائحة وعبق الأرض العذراء، كانت صور السنوات الماضية في عقد السبعينيات ترتسم أمامنا كون مرافقنا يتذكر كيف كانت الأرض مغروسة بمختلف أشجار الحمضيات، يقول مرافقنا إن الأرض بهذه المنطقة لها الكثير من التعقيدات وأن الخلافات لازالت قائمة بين المستثمرين والدخلاء ممن يتولون حقوق الانتفاع للآخرين.. هذه الإشكاليات أدّت إلى مثل ما عشناه سنة 2010 في قضية ابن الشهيد ”قنون يحى”، الذي أقدم على سكب البنزين على كامل جسده قبل أن يشعل النار احتجاجا على قرار قضائي ببيع حق الانتفاع الخاص به، ضمن مستثمرة لفائدة شخص آخر كان يستغل أرضه بالتراضي.
ينام بالكهف واقفا ولا يتكلّم إلا بكلمة ”الرّب”
لم يمض الكثير من الوقت حتى وصلنا إلى قرية ”الهداهدة”، قرية فلاحية بسيطة بساطة الريف الجزائري، تقع بين شاطئ الوردانية وشاطئ الزوانيف. وسط العشرات من الحقول والبساتين… عند مدخل القرية الهادئة، تقرّبنا من إحدى محلات بيع المواد الغذائية، وسألناه عما يفضله عمي ”بن يوسف الصغير”، فقيل لنا إنه علينا إكرامه بقليل من الحليب وبعض الحلويات. اقتنينا المستلزمات.. ركبنا السيارة ثم صعدنا الجبل مشيا على الأقدام، باتجاه كهف ”عمي بن يوسف”. يقول دليلنا وهو من أهل المنطقة، الرجل كان عاديا جدا قبل سنة 1963، حيث كان يعمل بمدينة عين تموشنت في جني العنب، أين تعرّض لعملية سرقة بإحدى الحمامات، والتي كانت بمثابة الصدمة التي غيّرت حياته وحوّلته إلى رجل يعيش حياة الغابة… عاد إثرها إلى دوّار ”الهداهدة” واعتكف بإحدى أشجار التين الهندي، لمدّة سنتين صيفا وشتاءً - يواصل محدثنا مسترسلا في الحديث – توجه بعد ذلك إلى أحد الوديان، ومنه إلى أعالي جبل ”الوردانية”، أين قبع هناك بأحد الكهوف ومنذ ذلك الحين ارتبطت حياة ”عمي بن يوسف” بالجبل .. ومنذ تلك اللحظة أضحى الفضوليون يزورونه من حين لآخر… وإذا بدليلنا ونحن نتجاذب أطراف الحديث، يشير لنا بأن الرجل هناك ما بين الأحراش … ترددنا في الاقتراب منه… يطمئننا مرافقنا الرجل ”لا يؤذي أحدا لكن ينبغي أن تفهموه” فهو يستعمل كثيرا مفردات يتكلم خلالها بكلمة الرّب.. ”يعلم بيها ربي”… ”خلّيها على ربي” ..يضيف محدثنا.ولدى سؤالنا عما أُشيع حوله عن أكله لكميات كبيرة من الطعام، قال محدثنا لو أحضرت له 6 أطباق من الكسكسي لأكلها عن آخرها حينا، ولو قُدّم له شراب ساخن جدا لشربه ودون تردد. محدثنا قال أيضا إن الرجل ينام في الكهف واقفا أو جالسا وليس ممدّدا ..!اقتربنا من ”عمي بن يوسف” بدا الرجل شبه عارٍ، يقول محدثنا ”عاري على مدار السنة صيفا وشتاء ويتردد عليه بعض المحسنين لإطعامه وكسائه أو حلق لحيته”… بدا عمي ”بن يوسف” وكأنه يهذي حيث لم نفهم من كلامه سوى كلمة ”ما يبغوش”… ”مليحة”… ”يعلم بيها ربي”…تجولنا بالمكان والتقطنا صورا له وعدنا أدراجنا إلى القرية كون الحديث معه كان صعبا جدا فهمه.
أصل الحكاية.. سرقة..توبيخ ثم اعتكاف
نزلنا إلى القرية لاستقراء الظروف التي حوّلت عمي ”بن يوسف” من رجل عادي إلى رجل غابي، يعيش وسط الحيوانات البرّية، يقاسمها برد الشتاء وحرارة الصيف.في القرية، التقينا بشاب لم يتجاوز الثلاثين من عمره، سألناه عن ظروف عمي ”بن يوسف” غير أنه دلّنا على أحد الشيوخ يدعى ”الحاج بن عمر”، قيل لنا إنه من أقران عمي ”بن يوسف”. دلّنا بعض من تجاذبنا أطراف الحديث على ”عمي بن عمر”، رجل قارب من العمر 80 سنة، أبيض اللحية، قد غزى الشيب رأسه، اقتربنا منه وسألناه عن قصة ”عمي بن يوسف الصغير” فقال: ”الرجل من عائلة متكونة من 6 أفراد الوالدين اللذين توفيا، أخوين لايزالان على قيد الحياة، وآخر توفي بالجبل في سنين الجمر، وأخت أخرى لاتزال على قيد الحياة”. من مواليد سنة 1936 كان في صغره يتلعثم في الكلام، يعيش حياة عادية وسط أهله وأحبابه، إلى أن انقلبت حياته رأسا على عقب بعد أن تمت سرقة أمواله بإحدى الحمامات بعاصمة الولاية عين تموشنت، الأمر الذي دفع بوالده إلى توبيخه، وهذا ما جعل عمي بن يوسف يخرج من المنزل دون رجعة ويعيش حياة البراري” .عدنا أدراجنا وتركنا وراءنا شيخا أشبه بالأسطورة، وأسئلة كثيرة تجول في خواطرنا عن طول المدة التي يقضيها الرجل في الجبل لا رفيق ولا خليل هناك، أنيسه الذئاب والأفاعي، فراشه تراب الكهف وغطاؤه سقفه.