عائد من بحـــــر الضياع
أنا شاب لم يتجاوز سني الثالثة والعشرين، لم أوفق في دراستي، نشأت في قرية متواضعة يعمها الفقر ولا حظ فيها لشباب مثلي، اضطررت للانتقال من ريفنا المتواضع إلى إحدى مدن الشمال بحثا عن العمل أو ربما عن حياة أخرى غير تلك التي كنت عليها في قريتنا القديمة، حياة المتعة، من دون أن أتعب.. لكنني ويا أسفاه وقعت في الهاوية، ولو لا عناية الله وفضله ودعوات أمي لما تداركت أموري في آخر لحظة.. تعرفت في المدينة على شباب في مثل سني، ووجدت عملاً بسيطاً في مقهى بقلب المدينة، كل شيء في البداية كان يبدو على ما يرام، لكن الملاحظ فقط أن أولئك الأصدقاء كانوا مدمني مخدرات، لأجد نفسي رويدا رويداً أتعاطى ذاك السم القاتل مثلهم، ودخلت عالم الإدمان، بلغ بي الحد إلى أن أصبحت أتاجر به، تخليت بعدها عن عملي البسيط واضطرني “الكيف” إلى أن أحترف الحرام.. ويا له من احتراف وما فيه من ضغوطات ورهانات ومخاطرة.مغامرتي لم تتوقف عند المخدرات فحسب، فقد تجاوزتها إلى شرب الخمر أيضاً، لم أستسغ الأولى فطلب أحدهم أن أجرب الثانية وبنفسي طلبت الثالثة… لأصبح بإيعاز من أصدقائي مدمنا على المشروبات الروحية. لم أكتف بما كنت أتعاطاه ورحت أبحث عن أنواع جديدة وأرباح أسرع، لكن قليلي الحيلة مثلي يقعون في فخ المؤامرات بسرعة، خسرت كل ما كنت أملك، ولكنني لم أخسر مع ذلك شهوتي الكبيرة للمخدرات والكحول وسهر الليالي. تفاقمت الديون والكل بدأ يطالبني بنقوده، لم أجد أمامي سوى أن أعود إلى “الدوار” الذي جئت منه وإلى أهلي الذين لم أسأل عنهم مند فترة طويلة من الزمن. تحدثت مع أخي وأوهمته بأني أعتزم الدخول في مشروع سيكسبني الكثير وطلبت منه أن يقرضني بعض المال، فقبل المسكين وصدق كذبتي، سددت بالمبلغ بعض الدين، فيما صرفت الباقي في تعاطي السموم وعصيان الله. أصبحت إنسانا آخر، لدرجة أن كل من يراني يفر مني، نفذت النقود مرّت أخرى، ولم أعد أستطيع ترك المخدرات بالرغم من كل المخاطر التي واجهتها، راودتني بعدها أفكار شيطانية أخرى، فأحياناً أوهم الناس بأنني عرَّاف قادم من الجنوب أعلم الغيب وأستطيع مساعدتهم، وأحياناً أخرى أسرق المال، وأي شيء أجده في طريقي، فقط من أجل الحصول على مخدِّر يشفي غليلي، أصبح الجميع ينعتني بالمدمن الخطير، ووجدت نفسي في الأخير وحيداً أنام في الشوارع.لم يعد أمامي حل والعودة إلى بلدتي هي المخرج، وعلي أن أتحمل النتيجة مهما كانت ولو كلفني ذلك الموت الذي أصبحت أتمناه، بعد أن فقدت أملي في كل شيء.عدت أجر ورائي أذيال الخيبة والإدمان معاً، ولم أجد ما أعلل به كذبتي لأخي سوى أني فشلت في المشروع الذي تدينت من أجله.لم أعتبر ومازال هاجس الإدمان يسيطر علي، لا عمل لدي ولا مدخول أشتري به ما يسكّن أعصابي، ولا حل أمامي سوى سرقة المال من البيت، أصبحت وحشاً مفترساً أكسر وأصرخ فقط للحصول على القليل وشراء ذاك السم، بلغ لدي الإدمان ذروته، فكرت في العودة إلى المدينة والمخاطرة بنفسي مع من تدينت منهم، لكن… ضاقت بي الحياة أعماني الشيطان، والانتحار أصبح هو السبيل الوحيد مادامت الموت هي النهاية في كل الأحوال، أحضرت حبلاً لأشنق نفسي بعد أن شربت حد الثمالة، فقدت كل الوعي لكن كلمة أمي بقيت تدوي في أذني حين قالت “يا ربي أهدي وليدي”. لم أستطع أن أتجاهل ألمها وتوجعها من نبرة كلامها، أخذت سيارة أخي بسرعة، وفكرت في ثلاثة أشياء إما أن تقبض علي الشرطة أو أن أموت في حادث أو أن أذهب لمصحة خاصة للعلاج. وحمداً لله كانت وجهتي إلى المستشفى، أين تعالجت من الإدمان والآن أصبحت سليما معافى، تبت إلى الله وقطعت وعداً على نفسي أن لا أعود إلى سابق عهدي مهما بلغ بي ضيق الحياة.
أرجو أن يعتبر الجميع من قصتي…