من هدوء القرية إلى صخب المدينة.. ضاع التميز والنجاح
لم أكن أتصور أن الظروف حياتي ستتحول وتنقلب بهذا الشكل المرعب، حسبت الحياة كلها عبارة عن محطة واحدة، فإذا وقفت عند لافتة النجاح والتميز فلا يمكن لك أن تتحول إلى غيرها أبدا، وهذا ما حدث معي، بعدما كنت طالبا من المتفوقين ونلت شهادة البكالوريا بجدارة واستحقاق، لكن التحاقي بالجامعة لم يكن على النحو الذي كنت أريد، والسبب تراجع نتائجي الدراسية لعدم الثقة في نفسي والتردد، ذلك لأنني اصطدمت بواقع غير الذي كنت فيه، لقد انتقلت من قريتي الهادئة وبساطة العيش إلى صخب المدينة وكثرة الناس باختلاف مطالبهم ومساعيهم، لا أجد مكانة لي بينهم، كأنني تائه وأخشى أن يستمر هذا الوضع فلا أحصّل النجاح الذي هو غايتي وأملي الوحيد في الدنيا .
أمي نور، أحيطك علما أنني أدرس التخصص الذي اخترته، لكن همتي لم تعد عالية، فأكثر ما أفعله قضاء الوقت بالتفكير في أمور لا طائل منها، وقد تكون سابقة لأوانها، ما يجعل الدروس تتراكم علي، فانشغلت عن هدفي الأسمى، وحتى لا أطيل عليك مستقبلي الدراسي بات على المحك وأنا مهدد بالفشل.. أرجوك أشيري عليّ.
@ إدريس/ وهران
@ الرد:
لقد استطعت أن تضع يدك على أهم سبب لهذا الطارئ الذي أطلّ على حياتك، وهذا يدل على حسن تفكير وذكاء لن يفشل صاحبه إن شاء الله، وخيرا فعلت بطلبك لهذه الاستشارة فاسمعني جيدا بني:
يمكنك التغلب على المخاوف التي سكنت قلبك بتحدي الظروف ومحاولة التأقلم مع وضعك الجديد، فهذا من شانه أن يعينك ويأخذ بيدك إلى مرفأ الأمان، فإذا أردت أن تفتكّ النجاح والتميز الذي عهدته، عليك بالاندماج مع المحيط بطريقة ايجابية وعقلانية، وأقصد بذلك أن تتوفر لديك أداة التميز بين الصالح الذي ينفعك والطالح الذي لا طائل منه ولا فائدة ترجى باتباعه، ثانيا يجب أن تتبنى فكرة تطوير نفسك بما يقتضي المكان والزمان، فإن لم تفعل ستخرب كل الآليات الفعالة التي تمتلكها، فأنت في هذه المرحلة لست طالبا علم فحسب، بل أمام مشروع لا يقل أهمية وهو بناء شخصيتك.
كن على أتم اليقين أنك شاب رائع ومتميز لديك قدرة هائلة وطاقة تمكنك أن تشق طريقك إلى القمة، لو أنك أدركت هذه الحقيقة وآمنت بها، أنصحك أيضا بالتواصل مع الزملاء الذين ترى فيهم الخير والصلاح، واشطب على كل المصطلحات السلبية بداخلك، فلا أحد غيرك يمكن أن يقوم نيابة عنك بهذه المهمة.
بني، إنك أمام مهمة صعبة وسهلة، صعبة إذا وقفت عندها واستسلمت لها وألقيت بالمنشفة وأنت في بداية المشوار، وسهلة إذا سعيت لكي تتجاوزها وتعبر إلى الضفة الأخرى بسلام، فشجع نفسك وتوكل على الله، واسأله أن يمدك بالثقة لتحقيق الأهداف والطموحات.
يجدر بي في هذا المقام أن أشد انتباهك لنقطة مهمة وهذه الأخيرة، تتعلق بأحوال من هم في محيطك، فلا تركز على شؤونهم حتى لا تنشغل عن نفسك، ولا تعطي الأمور أكثر من حجمها فهذا نمط عيش أهل المدينة، وذاك نمط عيش أهل القرية، و«لكل ليلاه التي يتغنى بها»، فجعل الغير محور الاهتمام سيكون حتما من المعوقات ومن أهم أسباب الإخفاق وعدم التقدم إلى الأمام.
بني، واظب على مراجعة دروسك واحضر محاضراتك ولا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، والأفضل مما سبق ذكره أن تحرص كل الحرص على الاقتراب إلى الله من خلال الصلاة والالتزام بأحكامه، فهذا يساعد كثير على ابتعاد الشيطان عنك، فهذا اللعين له دور كبير في زرع المخاوف وجعل الانسان ينشغل عما ينفعه من حيث لا يدري، كن مطمئنا فأنت على خير إن شاء الله، إذا انتصحت بهذا الكلام وطبقته بقناعة وجعلت شعارك: «ألا يأس مع الحياة ما دم القلب ينبض يقينا بوجود قوة مطلقة تعيننا على الخير والفلاح دائما، إنها الإلهية والعين التي لا تنام.
@ ردت نور