مهنة اللاّجئات التسوّل والدّعارة… وسط تخوّف السكان من نقلهن للأمراض
تستقبل عديد الولايات الجنوبية الجزائرية أعدادا كبيرة من اللاجئين من جنسيات إفريقية مختلفة، خصوصا منها المالية والنيجرية، فرّوا من الحروب الدائرة في بلدانهم، ومكّنتهم الدولة الجزائرية من الدخول إلى أراضيها، فيما تنقّلوا من أقصى الجنوب زاحفين إلى ولايات الشمال، حاملين معهم خطر نقل الأمراض والأوبئة كالسيدا.
أرامل وأمّهات عازبات يصنعن الحدث في الوادي
في مظهر لم يعتده أو يسبق لسكان ولاية الوادي رؤيته في مدينتهم، احتلّت عائلات إفريقية مُتكوّنة من أعداد كبيرة من النسوة والفتيات والأطفال، ينحدرون من دولتي مالي والنيجر، يزيد عددهم عن 28 فردا، عديد الساحات، خصوصا منها المحاذية لمقبرة تكسبت، فيما أخذت عائلات أخرى من ظلال الأشجار المغروسة بالأرصفة ووسط الطريق الوطني مقابل سوق العصر، مأوى لهم، محاولين استعطاف رواد السوق والتجّار لعلهم يمنحونهم بعض المال أو ما يسدّ جوعهم.العائلات الإفريقية والتي اقتربت منها ”النهار” -مكتب الجنوب- في محاولة لمعرفة سبل وصولهم إلى ولاية الوادي على مسافة تزيد عن 3 آلاف كلم من ولاية تمنراست والحدود، استعنّا بشاب من جنسية نيجرية يقطن بولاية الوادي منذ 7 سنوات ويتقن العربية، حتى يُترجم لنا حديث العائلات لأنها لا تتكلم إلا بلغتها الأم.
أزمة إنسانية في مخيّمات اللاجئين …
وحسب العائلة التي التقيناها بالساحة المحاذية لمقبرة تكسبت، حيث افترشت حصيرا ووضعت أغراضها تحت إحدى أشجار الرصيف، هذه العائلة التي تتكوّن من 3 نساء تتراوح أعمارهن ما بين 20 و50 سنة، رفقة فتاة في 21 من العمر، قلن أنّهن ينحدرن من النيجر، وهو ما تأكّدنا منه عند اطّلاعنا على بطاقة القنصلية لجمهورية النيجر من وزارة الخارجية والتعاون والإدماج الإفريقي للنيجريين في الخارج، وتحمل تأشيرة المعبر بتمنراست.وقد جمعت هؤلاء اللاجئين الظروف القاسية وويلات الحرب التي تدور أطوارها بين فصائل الأزواد والجيشين المالي والنيجري وضاعفها وجود العناصر الإرهابية التي أفقدتهن أزواجهن وصيّرتهن أرامل وشرّدتهن من بلدانهن التي هجروها مضطرّات، حاملين معهم أمتعتهن التي أثقلت كاهلهن وأثنت ظهورهن، منتقلات من مكان إلى آخر، رفقة أطفالهن الذين تتراوح أعمارهم ما بين حديثي الولاية و15 سنة، شاءت الأقدار أن ينتقلن من مدن أزورد بدولة مالي وماتاماوالي بدولة النيجر، إلى مدينة ألف قبة وقبّة التي استقبلتهن منذ قرابة الشهر.النسوة قلن أنهن دخلن الجزائر منذ شهر وأقمن في مخيّمات اللاجئين بولاية تمنراست، إلا أن كثرة اللاجئين الفارّين من مالي والنيجر والدول الإفريقية الأخرى تسبّب في خلق الفوضى ومضاعفة المشكلات التي استفحلت في المكان الذي لم يعد يتّسع للأعداد الهائلة منهم، كما أن الإعانات الغذائية أضحت لا تكفي ولا تسدّ الرمق، وعلى الرغم من تفضيلهن ولاية تمنراست عن باقي الولايات، يعود السبب إلى وجود أقربائهن وأقرانهن من الدول الأخرى هناك، إلا أنّهن اخترن النزوح إلى الولايات الأخرى طمعا في وجود وضع أفضل.
من حدود تمنراست إلى غرداية وصولا إلى الوادي… إلى بسكرة والعاصمة قريبا
العائلات ورفقة أزيد من 6 أطفال تنقّلوا من مخيّمات تمنراست إلى ولاية غرداية، قاطعين مسافات طويلة أحيانا، مستعطفين أصحاب الحافلات لنقلهم إلى أقرب النقاط وأحيانا أخرى سيرا على الأقدام؛ كما حدث معهم حين وصولهم إلى ولاية ورڤلة، أين قطعوا ما يزيد عن 40 كلم سيرا على الأقدام، وتنقّلوا بشاحنة وصولا رلى تڤرت ثم على متن حافلة إلى ولاية الوادي التي استقروا بها حاليا، مبدين استحسانا لحسن المعاملة التي لقوها من السكان الذين قدّموا لهم مساعدات مادية ومنحوهم اللباس والغطاء والمأكل، فيما تعرّضوا إلى مضايقات في ولايات أخرى وحتى الطّرد.وعلى الرغم من الحالة التي يُرثى لها والتي تعانيها العائلات في ظل غياب الجمعيات الخيرية والهيئات لضمان التكفّل بهم واحتوائهم، كونهم لاجئو حرب؛ تضمن لهم مأوى يقيهم المبيت في العراء ليلا، إذ كانت الجهة الوحيدة التي خصّتهم بالتفاتة فرع الهلال الأحمر وسكان تغزوت، الذين وفّروا لهم بعض الأغطية والملابس والغذاء.من جهة أخرى، فضّلت بعض عائلات اللاجئين الاستمرار في عملية النزوح، أين انتقل أزيد من 10 أفراد إلى ولاية بسكرة، الأمر الذي يضاعف خطر زحفهم إلى ولايات الشمال وخصوصا العاصمة، وما يمكن أن ينجرّ عن وجودهم في تلك المناطق، من استفحال ظاهرة التسوّل والجريمة، فضلا عن الشعوذة.
مهنة اللاّجئات التسوّل والدعارة.. وسط تخوّف السكان من نقلهن للأمراض
النسوة اللواتي تجمّعن يبتسمن ويُحيّين الأهالي الذين شدّهم منظر تجمّعهم؛ وهو أمر لم يعتادوا عليه في ولاية الوادي؛ ينتشرن خلال ساعات النهار كل واحدة على حدا بالأسواق وأمام المساجد، يمتهنن التسوّل لتأمين لقمة العيش، على الرغم من تأكيدهن على أنّهن يتلقين العديد من المساعدات من طرف السكان، وهو ما وقفنا عليه، إذ خلال وجودنا مع العائلات النيجرية كان أهالي سوف يُقدّمون لهن المياه والحليب وبعض المواد الغذائية في لفتة إنسانية ليست بالغريبة عن سكان الوادي، فيما أبدى بعض السكان، تخوّفا من الاقتراب منهن، منعا لتنقل أي مرض مُعد قد يتسبّب هؤلاء اللاجئون في نقله، على غرار ما يحدث في غرداية والتي استفحلت فيها الملاريا، بالإضافة إلى السيدا في تمنراست.من جهتنا، سألنا النسوة عن طريق المترجم الذي برفقتنا، إن كن يعانين أية أمراض أو إصابات، وهو ما فنّدنه، كما لم تحمل التصاريح التي أشّرت عليها السلطات النيجرية أو الجزائرية، إشارة بالأمر، فيما يبقى التخوّف سيد الموقف، ضاعفته تحرّكات مشبوهة لبعض الفتيات اللواتي امتهنّ أقدم مهنة في التاريخ، وكان سبيل الدعارة وبيع الهوى الأقرب لهن لكسب المال، الأمر الذي من شأنه أن يتسبّب في نقل أمراض وأوبئة ليست في الحسبان، إذ أكد أهالي المنطقة التي مكثت فيها العائلة النيجرية، ملاحظة اقتراب سيارة بعض الشباب الذين كانوا في حالة ثمالة في ساعة متأخّرة من الليل، نقلوا الفتيات معهم وأعادوهن في ساعات الصباح الأولى.فهناك تخوّف كبير من طرف سكان الوادي من وجود أي أمراض قد ينقلها هؤلاء اللاجئون إلى السكان، إلا أنهم وعند سؤالنا عمّا إذا كانوا يعانون من أي أمراض مُزمنة نفوا ذلك، هذا تماما استنادا للبطاقات الخاصة بهم والمرفقة من القنصلية والتي تنفي إصابتهم بأي مرض أو خطورتهم على المجتمع.
اللاّجئات تحت رحمة شبكات الدعارة أو الاغتصاب
وفي ولايات أخرى كغرداية وورڤلة لقيت عائلات اللاجئين محاصرة من طرف السكان الذين رفضوا وجودهم بهذه الأعداء الكبيرة واحتلالهم الساحات والمساحات الخضراء، فيما سجّلت محاولة طردهم وحالات اعتداء، إذ سُجّل بمدينة المنيعة، ولاية غرداية، نجاة فتاة في العقد الثاني من جنسية مالية من عملية اختطاف، أقدم على تنفيذها 3 شباب في ساعة متأخّرة من الليل، بغرض الاغتصاب، كانت الفتاة رفقة مجموعة من النسوة الإفريقيات اللواتي يفترشن وأبناؤهم الصغار؛ أرض حديقة مقرّ دائرة المنيعة، فيما تدخل بعض المارّة وتمكّنوا من إنقاذها؛ إثر سماعهم لصراخها وطلبها النجدة، ولاذ المعتدون بالفرار إلى وجه مجهولة، كما تمكّن في حادثة أخرى باعة السوق المجاورين لموقع إقامة الماليين التدخّل وإنقاذهم من اعتداء بعض المنحرفين الذين حاولوا سرقة أموالهم وأغراضهم حيث وجد اللاجئون -تُعدّ فئة النساء الأكثر بينهم-، أنفسهم عرضة للاعتداء والتحريض على الانخراط في شبكات الدعارة والشعوذة، الأمر الذي يتطلّب اهتماما كبيرا من طرف السلطات الجزائرية وخصوصا منها الأمنية، من أجل فرض راقبة محكمة على هؤلاء ومنع استفحال الظاهرة بالجزائر.
الجزائر جميلة وأهلها طيّبون لكنّنا نريد العودة إلى وطننا بعد انتهاء الحرب
اللاجئون وعلى الرغم من تأكيدهم على أنّهم لم يشعروا بالغربة في الجزائر، في ظل التفاف سكانها حولهم وتقديم لهم المساعدات، إلاّ أنهم يُفضّلون العودة إلى بلدانهم الأصلية بعد أن تضع الحرب أوزارها وتستقرّ الأوضاع الأمنية، وهو الأمر الوحيد الذي يريدونه، مع توفير المأكل والملبس والمأوى من أجل تمضية الأيام القادمة وتحمّل حرارة هذا الفصل، إذ يظلّ واجب تدخّل الجمعيات الخيرية والمحسنين ومحبّي الخير ضروري من أجل مساعدتهم ولو بالشيء القليل حيال الواقع المرّ الذي يعيشونه.