نـصـــف قـرن … تـاريـخ بــلا ذاكـرة
نحتفل اليوم بمرور نصف قرن عن مغادرة المستعمر لأرضنا واسترجاع شعبنا لحريته واستقلاله، هي ذكرى، وعلى رغم كل ما يمكن أن يقال، عزيزة وغالية على نفوس كل الجزائريين بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم الأيديولوجية والفكرية، ورغم أن هذا العمر من الاستقلال لا يكاد يقاس في أعمار الشعوب، إلا أنه وبعد نصف قرن من الحرية، لا بد من التوقف ولو برهة مع الذات واسترجاع الذاكرة الجماعية لهذا الشعب، الذي خاض أكبر حرب تحريرية في تاريخ الشعوب المعاصر، لاسترجاع سيادته الوطنية.هي ذاكرة لم نستطع بعد للأسف تجميعها، وتكاد أن تتحول إلى مجرد تخيّلات بل أساطير ملحمية على شاكلة حروب آلهة اليونان، التي تتضارب فيها الروايات بين الإله الغالب والمغلوب. خمسون عاما مرت على ذلك اليوم الذي ظن الجزائريون أن شمسه لن تشرق أبدا، لكن قرنا ونصفا من الاستعمار، كانت مدة كافية لكل من عايش هذه الثورة، التي يشهد لها العدوّ قبل الصديق ببسالة أبطالها، ثورة حرّرت شعوب العالم المستضعفين قبل أن تحرر وطننا، وذكّرت الشعوب المستعمرة بأن الحرية تؤخذ ولا تعطى، وأن المستعمر ومهما طال مقامه، لا بدّ أن يعود إلى ما وراء البحار، ويغيب خلف شمس الحرية الساطع، 05 عاما مرت دون أن نعرف الحقيقة الكاملة عن هذه الثورة، حتى نسطّر مستقبل الأجيال القادمة.. 05 عاما ونحن نرضع حقيقة مغلوطة، كتبها مؤرخون فرنسيون، أمثال بين جامين ستورا، وبرنار هنري ليفي وغيرهما من الحاقدين، الذين يلوّنون تاريخ ثورتنا بألوان يحددها حكام فرنسا، فيمجدّون من شاؤوا ويتهمون من شاؤوا بالخيانة العظمى، ويكتفي من جعلناهم رموزا لهذه الثورة الخالدة بالنفي والدفاع وكأنهم مجبرين على ذلك.. 05 عاما مرّت والجزائر البلد الوحيد الذي يستوزر فيه وزير خاص بالمجاهدين والثورة، عبر كل الحكومات التي تعاقبت، ولا تكتب هذه الوزارة حرفا عن تاريخ الثورة، بل تمنع حتى من يحاول فهم خبايا أهم مرحلة في تاريخ الجزائر المعاصرة.. 05 عاما مرّت والجزائري يبحث عن تاريخه وذاكرة أسلافه في أرشيف المستعمر، ونتحجج عن عدم كتابة ذاكرتنا باحتجاز المستعمر لأطنان من الأرشيف التي حملها الفرنسي معه في سفينته خلال رحلة عودته إلى ما وراء البحار، وكأنه أخضع عقولنا للغسيل قبل أن يغادر، هل نسي أجدادنا وهؤلاء الزعماء، الذين يضعون أكاليل الورد كلما حلّت هذه الذكرى على قبور شهدائنا، ما عانوه، وما صنعوه في سنوات الاستعمار، وهل يُعقل أن ينسى المرء من كان بالأمس، أم أن من كان بالأمس شجاعا وواجه النار بالنار، لم يعد يملك من الشجاعة ما يواجه به نفسه، ويحكي تاريخه ويدوّنه في صفحات تخلّد ماضينا المفقود، قد تكون الشجاعة المشكلة التي تحول بينا وبين كتابة ذاكرتنا الجماعية، وما أصعب أن نستورد هذه الشجاعة! ولماذا نطالب بأرشيف المستعمر وللحكومة المؤقتة وجيش التحرير أرشيف ووثائق هامة يمكنها أن تظهر الحقيقة حول العديد من الأمور الغامضة في تاريخ ثورتنا، فلماذا تحتجز وزارة المجاهدين هذا الأرشيف، وتمنعه عن أحفاد الشهداء، وتطالب أحفاد الجنرال ماسو وبيجار بتقديم أرشيفهم لنا في علب مغلفة؟ … الأكيد أن الثورة التي قامت على أرض الجزائر، هي حقيقة لا غبار عليها، والكثير ممّن صنعها لا يزالون على قيد الحياة، وفي حالة صحية جيدة، ويمكنهم الإفراج عن أجزاء كبيرة من تاريخنا المحتجز في ذاكرتهم، لنكتب تاريخ ثورتنا، ولنعرف من نكون و إلى أين نذهب، ولسنا في حاجة إلى وثائق المخابرات الفرنسية وسجونها وتقارير ”دوزيام بيرو”، لنكتب ملحمة تاريخ صنعه آباؤنا فوق أرضنا.
فإلى متى تظلّ ذاكرتنا محتجزة…؟!
طغت عليها الذاتية والجوانب الشخصية
مذكّرات قادة في الثورة تُعقّد ضبط حقائق تاريخ الجزائر
طغت الذاتية ومبدأ تصفية الحسابات والصراعات على معظم المذكّرات التي نشرت حول تاريخ الجزائر من قبل المجاهدين الذين عايشوا الثورة حتى الآن، فاقتصرت في مجملها حول الجوانب الشخصية والعلاقات التي أنشأها هؤلاء، خاصة وأنها خلّفت ردود أفعال قوية من قبل الفاعلين والشخصيات التي تناولتها هذه المذكرات، فظهرت بعض الحقائق كردّ على المذكرات وأخرى انتقاما لحساسيّات ظهرت مؤخّرا.ووجّهت انتقادات لاذعة إلى مختلف المذكّرات التي صدرت حتى الآن، خاصة ما جاء في مذكرات المجاهد وقائد الأركان في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، ”الطاهر زبيري”، الذي عرض خلافاته مع الرئيس هواري بومدين، وركّز كل اهتمامه حول الصراع الذي دار بينه وبين هذا الأخير، وكيف نفّذ عملية الإنقلاب على الرئيس الراحل أحمد بن بلة، أين طغت الذاتية على مذكّراته وصوّرت جانبا من حياته كفرد.وشهدت الصراعات الثنائية والملاسنات التي نشبت بين المجاهدة إيغيل أحريز والمجاهد ياسف سعدي، حيث كان كلّ منهما يوجّه الإتهامات إلى الآخر بالخيانة وخدمة الإستعمار، وتهوين دور كل منهما في الثورة الجزائرية، حيث كشفت هذه الإتهامات جانبا من جوانب الصراعات التي يمكن التحقيق بشأنها، بغرض الكشف عن الحقائق من قبل المؤرخين، على الرغم من أنها لا تخدم التاريخ الجزائري بأيّ شكل من الأشكال في الوقت الراهن، خاصة وأننا لم نضع حتى الأسس أو اللبنات الأولى للتاريخ كما يقول المؤرّخون. وظهرت حتى الآن العديد من المذكّرات التي كشفت جزءا يسيرا من تاريخ الثورة، والذي يمكن أن يكون مادّة خام للمؤرخين من أجل الإنطلاق أو اتّخاذها كنقطة بداية، على الرغم من الخلافات التي نشبت حولها بين معاصري تلك الأحداث، والذاتية الكبيرة التي يتم بها معالجة هذه المذكرات، أين تم نشر مذكرات خالد نزار والطاهر زبيري، ومذكرات بعوش محمد سي الطاهر، وغيرها من المذكّرات التي تحكي جزءا من التاريخ بكل ما يشوبها من الذاتية.
المؤرّخ محمد عباس لـ”النهار”:”الذاتية والصراعات مادّة للتحقيقات التاريخية.. ويجب الإفراج عن الأرشيف”
عدّ ”محمد عباس” المؤرّخ والكاتب الجزائري، المذكّرات التي أصدرها بعض المجاهدين حول الثورة الجزائرية، مفيدة للمؤرّخ الجزائري، وهي اللبنات الأولى، على الرغم مما يشوبها من طغيان الذاتية، إلا أنها تحوي جوانب لا يمكن إيجادها في الوثائق والأرشيف، مشيرا إلى أن المؤرّخ سيعمل على غربلة هذه المذكرات واستخلاص الجزء الأصحّ وفتح تحقيقات في الأجزاء الأخرى التي يمكن من خلالها الوصول إلى الحقيقة التاريخية. ودعا محمد عباس الإدارة والسلطات إلى ضرورة تجاوز مبدأ الأعراف التاريخية، والإسراع في الإفراج عن أرشيف الثورة والحكومة المؤقتة، لتمكين المؤرخين من وضع اللبنات الأولى لتاريخ الثورة الجزائرية، وغلق الباب أمام الإفتراءات الفرنسية والتسريبات التي تهدف من ورائها إلى تشويه رموز الثورة، وزعزعت ثقة الجزائريين في قادتهم التاريخيين، مشيرا إلى أنه لا يمكن للمؤرّخ الجزائري الإعتماد على أرشيف الإدارة الفرنسية، ولكن يمكن الإستعانة به بعد الإطلاع على أرشيف الحكومة المؤقتة.وقال محمد عباس، إن التأخر حتى الآن في كتابة التاريخ، سببه التستّر عن الأرشيف والأعراف التاريخية، إلا أنّ هذه المذكرات وعلى الرغم من طغيان الذاتية والجوانب الشخصية عليها، فهي مفيدة، لأنها تفتح أبوابا أخرى للتاريخ بعيدا عن ما يوفّره الأرشيف للمؤرّخين بعد الكشف عنه، حيث ستكون مجالات أخرى للإجتهاد والتحقيق.وانتقد انعدام أقسام خاصة بالبحث والتحرّي في تاريخ الجزائر على مستوى الجامعات الجزائرية، حيث قال، بأن التأخّر في كتابة التاريخ ليس في مصلحة الجزائر، لأن فرنسا بدأت تسرّب وثائق خاصة بالثورة منذ 1966 وهي بالطبع لن تسرّب إلا ما يخدم مصالحها على حساب الجزائر، ثم إن الجزائر خرجت منتصرة، فلماذا الإحتفاظ بأرشيف الثورة والحكومة المؤقتة حتى هذه اللحظة؟!.