هذه حقيقة ما حدث يوم 8 ماي 1945 !
شرع الجزائريون في التظاهر عبر كامل الترابل الوطني منذ الفاتح من ماي 1945 بمناسبة اليوم العالمي للعمال.
فكانت معظمها سلمية، فأعدّ العلم الجزائري وحضّرت الشعارات مثل “تحرير مصالي- استقلال الجزائر” وغيرها.
حيث شارك فيها عشرات الآلاف من الجزائريين في مختلف أنحاء الوطن.
وعملت السلطات الاستعمارية على استفزاز المتظاهرين، فأطلقت الشرطة النارعليهم وقتلت وجرحت عددا كبيرا منهم.
بالرغم من ذلك لم تتوقف المظاهرات، ففي عنابة تظاهر حوالي 500 شخص يوم 3 ماي.
وكانت مظاهرة خاصة لأنها تزامنت مع سقوط مدينة برلين على أيدي الحلفاء، وفي قالمة يوم 4 ماي، وفي سطيف مرة أخرى يوم 7 ماي.
لتأتي بعدها مظاهرات 8 ماي 1945 شاملة لكامل التراب الجزائري، حيث خرج مئات الآلاف من الجزائريين في مسيرة سلمية للاحتفال بإنتصار قوات الحلفاء على النازية من جهة.
وتذكير فرنسا بالمطالب الاستقلالية التي وعد بوفائها فور تحقيق النصر، من جهة أخرى.
لكن في ذلك اليوم ظهر الوجه الحقيقي للاستعمار الذي كان لا يعرف لغة غير لغة السلاح والدم.
إذ توج الوعد الزائف بخيبة أمل و مجازر رهيبة، تفنن فيها المستعمر في التنكيل بالجزائريين، وشن حملة إبادة راح ضحيتها ما يناهز 45 ألف شهيد.
لتشكل بذلك مجازر 8 ماي 1945 منعرجا حاسما في تغيير فكر المقاومة الجزائرية، إلا أن ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة.
كما كشفت الوعود الكاذبة التي قطعتها فرنسا الاستعمارية للشعب الجزائري، بغية استعطافه خلال الحرب العالمية الثانية.
حيث يُنظر إلى مجازر 8 ماي 1945 في الجزائر على أنها نقطة اللاعودة، التي اقتنعت عندها الحركة الوطنية الجزائرية بأن لا مفر من العمل المسلح.
ليتم بدأ التحضير له فعليا عام 1947، بإنشاء “المنظمة الخاصة”، ويبدأ العد التنازلي لاندلاع الثورة المسلّحة.
ليكون الفاتح من نوفمبر1954 الإنطلاقة الفعلية للشرارة، التي لم تخبو إلا بعد افتكاك الاستقلال كاملا غير منقوص من قبضة المستعمر الفرنسي .
ولا زالت إلى يومنا هذا الشواهد على همجية المحتل الذي مارس سياسة الاستعباد والإبادة جند فيها قواته البرية و البحرية و الجوية..
نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر “جسر العواذر”، “مضائق خراطة”، “شعبة الاخرة”، “كاف البومبا”، “هيليوبوليس”، “الكرمات”، ” قنطرة بلخير”، “منطقة وادي المعيز”.

حيث ستبقى عمليات الإبادة منقوشة في السجل الأسود للاستعمار، إبادة لم يرحم فيها الشيخ المسن ولا الطفل الصغير ولا المرأة.
فانتهكت الأعراض و نهبت الأرزاق، ولإخفاء جريمتها الشنعاء، استعمل الجيش الفرنسي أفران الجير للتخلص من جثث الضحايا.
غير أن هذه الأفران ظلت شاهدة على واحد من أفظع الأعمال الإجرامية في التاريخ المعاصر.

كما لم تكتف الإدارة الاستعمارية بنتائج تلك المجزرة الوحشية، فقامت بحلّ الحركات و الأحزاب السياسية الجزائرية و إعلان الأحكام العرفية في كافة البلاد.
إلى جانب إلقاء القبض على آلاف المواطنين وإيداعهم السجون، بحجة أنهم ينتمون لمنظمات محظورة، و أنهم خارجون عن القانون.
وما أعقبها من المحاكمات التي أصدرت أحكاما بالإعدام و السجن المؤبد و النفي خارج الوطن، و الحرمان من الحقوق المدنية.
أضف إلى ذلـك آلاف المصابين نفسيا و عقليا، نتيجة عملية القمع و التعذيب و المطاردات و الملاحقات..
اختلفت التقارير التقديرية لعدد القتلى والجرحى نتيجة أحداث الثامن ماي:
فوزير الداخلية الفرنسي ، ذكر في تقريره أن المظاهرات نتج عنها مقتل 88 فرنسيا و 150 جريحا، أما من الجانب الجزائري فمن 1200 إلى 1500 قتيل.
في حين أن التقديرات الجزائرية قد حددت بين 45 ألف إلى 100 ألف قتيل أما الأجنبية فتختلف أيضا، وهي في الغالب من 50 ألف إلى 70 ألف.
تضاف إليها حوالي 200 ألف بين قتيل و جريح و مختل عقليا، من المجندين أثناء الحرب العالمية الثانية لإنقاذ فرنسا من سيطرة النازية.
وتبقى هذه المجازر من بين الجرائم الوحشية، التي يطالب الجزائريون بشدة إعادة فتح ملفاتها.
والضغط على فرنسا للإعتراف بما ارتكبته من جرائم في حق الشعب الجزائري، لكنها تتجاهلها بشدة وترفض الاستجابة لها.
وتثبت أحكام القانون الدولي الخاصة بجرائم الحرب أن هذه المجازر، لا تسقط بالتقادم.
ولا يوجد أي موانع قانونية لمتابعة فرنسا حتى مع عدم إمكانية تطبيق المسؤولية الشخصية لكون أن مرتكبي المجازر ليسوا على قيد الحياة.
إلا أنه من حق الجزائر مطالبة المؤسسات التي كان يمارس فيها هؤلاء الأشخاص مهامهم بإصلاح الضرر بإجراءات قانونية ودبلوماسية”.
لهذا يسعى نشطاء جمعويون لغاية اليوم وفي مقدمتهم جمعية 8 ماي 1945، إلى اتخاذ الإجراءات الضرورية.
من أجل المطالبة بتصنيف مجازر 8 ماي كجرائم إبادة جماعية ضد الإنسانية، وتسجيلها لدى الأمم المتحدة مع المطالبة بالاعتذار وتعويض الضحايا.