هل أتركهم يقفون في وجه سعادتي أم أنتفض
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
سيدتي، لا أجد ما أستهلّ به رسالتي إليك سوى توجيه الشكر والعرفان للمجهودات الجبّارة التي تبذُلينها في سبيل تنوير الدروب للشباب الباحث عن السكينة والاستقرار، ولا أخفيك سيدتي بأنني واحد من هؤلاء، حيث أنني أتوق إلى كلمة منك تريحني من الحيرة التي أنا فيها.سيدتي الكريمة، أنا شاب في مقتبل العمر، إلا أنني أبدو أكبر بكثير من سني، نظرا لكوني حملت المسؤولية في سنٍّ مبكرة، لأني أكبر إخوتي، حيث وجدت نفسي معيلا لعائلتي بعد وفاة والدي.قد لا تصدّقين سيدتي بأني تحمّلت ما لا طاقة لي به؛ حتى لا ينقص أفراد أسرتي شيء، حيث أعنت إخوتي على إكمال دراستهم حتى تبوّؤوا أعلى المناصب، كما أني عملت بكدّ وبلا كلل إلى أن وصلت إلى إنشاء شركة مصغّرة.وبعد أن أحسست بأني صنت الأمانة وأعطيت لكل ذي حق حقه، حاولت الالتفات إلى نفسي قليلا؛ وأنا الذي حرمتها من كل حقوقها، لأجد أهلي يرفضون ما عوّلت عليه جملة وتفصيلا، واصفين رغبتي باللاّمشروعة وكأنني لم أُخلق إلا لخدمتهم والبقاء تحت طوعهم. لقد كانت صدمتي كبيرة وأمي ترفض مسألة زواجي من فتاة أحببتها ووعدتها بالزواج والارتباط، والأدهى أنها طلبت مني عدم التفكير في الأمر مُطلقا، كما وجدت إخوتي يتهمونني بأني أريد التخلي عنهم والتملّص من مسؤوليتي تجاههم، فهل يعقل هذا سيدتي؟ فكرت مليًّا بعد أن اختلطت علي الأمور، وتوصّلت إلى نتيجة؛ مفادها بأن ما يحاول أهلي جعلي أقبله هو نوع من الحرب النفسية حتى لا أفكر في نفسي، مستغلين طيبتي وسذاجتي وحبي الكبير لهم، فأنا بالنسبة لهم البيضة التي تبيض ذهبا وليس لي أن أفكر في مستقبلي بالمرّة.ماذا أفعل سيدتي أمام رغبة أهلي الأنانية التي تطوّق حرّيتي وتقضي على مستقبلي وتلغي حقوقي، هل أبقى مستكينا أمامها أم أنتفض وأبحث عن حقي الذي طالما حُرمت منه؟
أنا في أمسّ الحاجة إلى حل في القريب العاجل، فما أنا فيه من ضغط لا يحتمل.
حائر من العاصمة.
الرد:
أخي المحترم، من الصعب أن يجد المرء نفسه في مشكلات وحيرة مع أقرب المقرّبين إليه، فتزداد حيرته ويشتدّ أساه ولا يجد لنفسه مخرجا بسهولة، فيبقى رهين الحزن والشجن، إلا أن أكثر ما هو مطلوب الصبر والتروّي، فالأمور لا تُحلّ بالتعصّب، كما أن التهوّر لا يُجدي نفعا.ومن هذا الباب أنصحك أخي بالصبر على ما أنت فيه من همّ، وعدم التسرّع حتى تخرج بحل يُرضي الجميع ويجعلك تأخذ حظك من السعادة.من المؤسف أن نكون بالنسبة للآخرين مجرّد مصدر للعطاء والتضحيات، ومن غير اللائق أيضا أن لا يُعيرنا المقرّبون منا أهمية على الرغم من كل التضحيات والتفاني في سبيلهم، فالحياة أخي مبنية على مبدأ الأخذ والعطاء، وما من أنانية إلاّّ وقتلت كل جميل ورائع بين الناس مهما كانت درجة قرابتهم.لا تهوّل الأمر أخي، ولا تعطه أكثر من حقه، فأهلك توجّسوا من خبر انصرافك عنهم والالتفات إلى حياتك، والتي قد تشغلك عنهم إلى الأبد وهم الذين طالما عوّلوا عليك، فلا ينكر أحد أنك كنت بمثابة الصدر الحنون لهم بعد وفاة والدك وعوّضتهم حنانه المفقود بلا كلل أو ملل.تمسّك بمطلبك في تغيير حياتك وأخذ حقك الذي طالما تغاضيت عنه، ليس خوفا وإنما برضا وقناعة منك، حتى لا تحرم إخوتك وأمّك من حقوقهم عليك، فأنت على حق ما دمت لا تبتغي غير الاستقرار والسعادة هدفا.أقنع والدتك وذويك بأن سعادتك من سعادتهم، كما أنك لن تتخلى عنهم مهما حدث؛ حتى بعد زواجك، فحبك لهم لن ينقص بقدر ما سيزيد ويتأجّج، وستجدهم يغيّرون من طريقة تفكيرهم ويقبلون بما أنت مصمّم عليه لا محالة.هذا في حال ما إذا ما قبلوا بالأمر، أما إذا لم يقبلوا برغبتك ووقفوا ضدّها، فأنصحك بالإنتفاض، فحرام أن تطمس أحلامك وتلغيها من قاموس حياتك، وأنت الذي تفانيت في منح السعادة لمن حولك، وما دمت قد صنت الأمانة وأوصلت إخوتك إلى برّ الأمان فقد حان الأوان لأن تجد لنفسك فرصتها من دون أن يلومك لائم. وكان الله في عونك أخي لتجاوز ما أنت فيه.
ردت نور.