والدي يمقتني لأنني صورة طبق الأصل عن والدتي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدتي، لم أجد غيرك أحكي له همّي، فما أنا فيه لا يتقبّله عقل، لأنني أدفع ثمن غلطة لم أقترفها.سيدتي، أنا ثمرة زواج فاشل لم تتحمّل فيه والدتي فقر أبي وقلّة حيلته، حيث هجرته وتركتني لدى جدّتي لوالدي والتي تكفّلت بتربيتي إلى أن أخذ الله أمانته، ليُصاب أبي بشبه انهيار خاصة بعد أن طلبت أمي منه الطلاق معلنة له عدم رغبتها في الاستمرار إلى جانبه، فنشأت وحيدة مع أب؛ المشاعر بالنسبة إليه شيء تافه، منقوصة من حنان والدتي التي لا أعرف حتى ملامحها، ومن حنان أبي الذي ما إن اشتدّ عودي حتى أصبحت علاقتي به شائكة.قد تتساءلين سيدتي عن السبب الذي يجعل من أب لم ينجب سوى فتاة، طالما عاشت محافظة وعلى قدر كبير من الأخلاق.. مكروهة منبوذة منه، وكأنها الشيطان الرجيم، فأجيبك وكلّي آسف، أن معاناتي سببها الرئيس أنني صورة طبق الأصل لأمي التي اختارت أن تبدأ حياتها من جديد في ديار الغربة إلى جانب رجل غني، فيما بقي هو أسير الحزن والحسرة، لأنه لم يعد بوسعه الوثوق في بنات حواء.
ولكوني أنثى، فأنا مطالبة بدفع الثمن ما حييت، أيُعقل هذا سيدتي أو يُعقل أن أبقى طيلة حياتي محمّلة بعقد لا ذنب لي فيها؟، هل كُتب عليّ الشقاء والعذاب وأنا الفتاة الطيّبة الخلوقة؟، ماذا بوسعي فعله حتى أخرج من حيرتي وألمي وكيف لي أن أغيّر من نمط حياتي وقد تسلّل إليّ اليأس والقنوط، أنا بحاجة إليك سيدتي، فلا تبخلي علي بما من شأنه أن يدفع بي إلى الإحساس بالاستقرار.
الحائرة من عنابة
الرد:
من الصعب سيدتي أن تحيا الواحدة منّا وهي تفتقد الحنان الذي لا مصدر له سوى الوالدين، ليأتي بعدها المجتمع الذي يكمّل دوره في بعث الاستقرار سواء لدى الفتاة أو الفتى، فالإنسان لا يمكنه أن يعيش بعيدا عن كل هذا وذاك، لأنه وبطبعه عاطفي، كما أنه بأمسّ الحاجة للإرتواء من هذا النبع الفيّاض الذي لا ينضب.بُنيتي، ما تعيشينه حاليا من معاناة هو استمرار لماض أليم أرغمك والدك على معايشته في حاضرك، كما قد يدفع بك إلى أن تتمسكّي به في مستقبلك الذي لن يكون هو أيضا خاليا من العقد، ومن هذا المنطلق أنصحك بنيتي بضرورة التماسك وعدم التهوّر، لأنه لن يفيدك شيء سوى العقل والرجاحة في التفكير للوصول إلى حلّ يخرجك من قوقعة الماضي اللعين، فمهما كان ظلمه أو جوره، فلا يجوز في أي حال من الأحوال أن تلومي أباك على ما انتهجه من طريقة معاملتك؛ خاصة وأنه عانى الأمرّين إلى جانب زوجة لم تعذره ولم ترحمه، وآثرت على نفسها الهروب عوض أن تبقى باسم الأصول مع والد ابنتها الوحيدة التي خلّفتها ذليلة.
واعلمي بُنيتي أنه لا يمكنك أبدا تغيير طباع والدك، أو حتى تغيير نظرته السلبية تجاه والدتك التي تملّصت من مسؤولياتها وجرحت فؤاده وأدمته وهجرت البلد بكل أنانية وهي تبحث عن سعادتها، فكيف لك أن تنتظري الإحسان من قلب جريح يعيش على أثر الماضي، وكيف لك أن تتوقّعي الرأفة من قلب لم يتذوق يوما طعم الراحة والسكينة.ناقشي مع والدك الأمر وأخبريه بأن المنطق والعقل والدّين.. كل هذا يؤكد أنه ما من شخص يدفع تبعة أخطاء شخص آخر، وأسوتنا في ذلك ما جاء في ديننا الحنيف أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، كما أن الدين تسامح بين الجميع، فما بالك بين الأب وابنته.أخبريه أنك صفحة بيضاء منذ نعومة أظافرك، وقد كان حريّا به أن يمنحك ما يشاء من الأمور الجميلة التي كان يريدها أن تكون فيك، بدءا من الطبع وانتهاء بالشخصية والتصرّفات. دعيه يثق فيك، وأقنعيه بأنك لا تساوين شيئا من دونه، وأنك تتوقين لحنانه وقلبه الذي لم يبق لك شيئا من دونهما بعد أن حُرمت من أمك وأنت في أمسّ الحاجة لها.
حاولي أن تتقرّبي منه مهما كان صدّه لك، اجعليه يحسّ بوجودك وانتزعي من مخيلته الصورة السلبية التي يرى بها كل بنات حوّاء، والتي تصبّ كلها في بوتقة الكره والسلبية، ولتتذكّري بنيتي أن والدك مثلك، يحتاج إلى من يضمن له حقه في السعادة، خاصة وأنه وجد نفسه مطالبا بلعب دور الأب والأم وهو الذي صُدم في الصميم بعد أن هجرته زوجته وضربت برجولته عرض الحائط.سيكون الأمر في غاية الصعوبة في بادئ الأمر، لكن عليك أن تتيقني من أنه وبمرور الوقت سيلين قلبه وينهار لا محال معلنا رغبته في استدراك ما فات، والبدء من جديد إلى جانب أرقّ فتاة في الدنيا.اصبري و ثابري، ولا تيأسي وثقي بأنك ستصلين لا محال إلى ما ترغبين فيه من الاستقرار والراحة النفسية، ووفقك الله إلى ما فيه خير وصلاح لك في دينك ودنياك.
ردت نور