''الـرايس عفـا .. والحبــس مـاسمـحش''
عائـلات المسـاجــين تُهــدّد بقــطع الطــريق بسـبب ”لاڤـراس”
استياء وتذمر و”سوسبانس” كبير لمسناه أمس عند عائلات المساجين الذين قضوا ساعات طويلة منذ بزوغ الشمس إلى أواخر النهار بالقرب من المؤسسة العقابية بالحراش أملا في خروج واحد من أبنائهم من خلف أسوارها، موازاة مع العفو الرئاسي الذي أصدره رئيس الجمهورية بمناسبة خمسينية الاستقلال، غير أن الإجراءات الإدارية التي عرفت تماطلا بخصوص ملفّات المساجين حال دون ذلك، لتحرم العائلات من احتضان أبنائهما بعد 4 أيام من إصدار المرسوم الرئاسي المتعلّق بالعفو.كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة صباحا، عند وصولنا إلى سجن الحراش، أوّل ما وقفنا عليه هو وجود نساء ورجال، كهول وشباب وحتى رضّع على حواف الطريق المقابل للسجن وآخرين يفترشون الأرض على ”الكارطون” الذي كان بمثابة المظلّة التي كانوا يحتمون بها من لفحات الشمس الحارقة، فبمجرد اقترابنا من بعض الشباب راح بعضهم يُندّد بالظروف التي ميّزها خروج المساجين، مُجمعين على أن الإجراءات التي اعتمدتها إدراة السجون، على حدّ تعبيرهم، عقدت الأمر وحرمت المساجين من مغاردة المؤسّسة على عكس الإجراءات التي انتهجتها السجون الأخرى على غرار عين وسارة وتابلاط وسركاجي، حيث صرّح لنا شاب قال إنه موجود منذ السادسة صباحا يترقّب خروج شقيقه المحكوم عليه بعامين حبس ”رانا هنا من الستة نتاع الصبح واحد معندو الصح، في الحبس يرفضون الحديث معنا.. لا نعلم ما إذا سيخرج أم لا.. كما أني أتعجّب كيف لم يطلق سراح شقيقي، علما أنها المرّة الأولى التي يسجن فيها.. فشقيقي الذي كان في سجن عين وسارة، غادر يوم الخميس بعد استفادته من العفو الرئاسي، لكن سجن الحراش حرمنا من ذلك”، ليضيف آخر ”منذ يوم الخميس ونحن نحضر على أمل خروجهم، لكن نتعجب كيف أن شقيقي لم يطلق سراحة على الرغم من توفّر شروط خروجه”. من جهتها، أفادت زوجة سجين قدمت من مدينة عين البيضاء بولاية أم البواقي، أنها تعبت من الذهاب والإياب والتنقل إلى العاصمة، لتنتظر خروج زوجها، كما أنها تجهل ما إذا كان معنيا بالعفو الرئاسي أم لا في ظل ”البيروقراطية” وتجاهل المسؤولين، حيث أردفت تقول ”الرايس سمحلهم وهوما يعطّلوا فيهم، راجلي راح بـ6 أشهر لارتكابه مخالفة مرورية”، تضيف، ”نطلب من إدراة السجون ووزارة العدل التدخل العاجل لإنصافنا وإنصاف أزواجنا وأبنائنا”، وهي نفس العبارات التي جاءت على لسان كلّ الأمهات والآباء الذين قدموا من الأربعاء وجيجل والأبيار وبراقي وغيرها، والذين أجمعوا على أن الرئيس بوتفلقية عفا عن أبنائهم والإدارة تعرقل حريتهم، وبعد صعوبة في إقناعها بالحديث معنا، صرّحت زوجة محبوس كانت تفترش الأرض بمعية ابنها الذي لم يتجاوز العامين من عمره قائلة، ”هذي حڤرة راهو على باطل في الحبس وكي قاستو لاڤراس ماحبّوش يخرّجوه”، لتفيد وهي تُسكت ابنها الذي لم يتوقف عن البكاء، ”خسرنا دراهمنا وحنا نستناو ونتنقلوا من نهار الخميس والصح ما كانش.. واحد ما اتّصل بينا، رانا هنا على ربي”، في حين أجمع العديد من المواطنين الذين عبّروا عن سخطهم الشديد، أنهم يجهلون مصير أبنائهم غير المسبوقين وأن عدم إطلاق سراحهم إلى غاية اليوم يطرح العديد من الأسئلة.
الواحدة والنصف زوالا خروج أول محبوس وعائلات تجهل مصير أبنائها
خروج أول محبوس، ليتسارع أهله إلى احتضانه، فتقرّبنا منه وسط جمع غفير كان يحيط به، بعد سؤال حول المدّة التي قضاها في السجن، قال ”جوّزت 7 أشهر”، ليسكت بعد أن تدخل أصدقاؤه وأقاربه لمنعه من التصريح لـ”النهار”، فغادر وهو يضحك ويقول ”الحبس ماشي مليح وكامل حڤارين لداخل”، وبعد ثوان خرج شاب وهو في مقتبل العمر مرتديا بدلة رياضية و”كلاكيت”، بشرته بيضاء والكل راح يناديه، ”يا موحوش مبروك عليك”، حاولنا التقرّب منه بسرعة؛ لكننا وجدنا صعوبة في ذلك، بعد أن أقدم مجموعة من الشباب على ”خطفه”، فسارعنا إليه، أين قال، ”يعطيكم الصّحة ربّي معاكم”، وهمّ بالمغادرة في موكب يقوده أشقاؤه وأصدقاؤه”، بعده خرج شاب رفض الحديث إلينا، كانت ملامح الحزن والاشتياق بادية على وجهه، خاصة وأنه راح يبحث عن أفراد عائلته، لكنه لم يجد أحدا في استقباله. وبحلول الساعة الثالثة والنصف مساءً، وبعد خروج ٤ محبوسين، توقّفت عملية إطلاق سراح البقية وسط ”سوسبانس” كبير من طرف العائلات التي لم تتوقّف عن الاستفسار، والبحث عن أسباب ذلك ليتوصّلوا إلى أن الإجراءات المتمثّلة في استخراج شهادة السوابق العدلية رقم 2 من المجالس والمحاكم الابتدائية، وراء هذا التأخّر الذي لم تهضمه العائلات التي راحت تُهدّد بقطع الطريق.
جاءت لتحتضن ابنها فتفاجأت بتحويله إلى سجن تابلاط من دون سابق إنذار
هي عجوز في عقدها السابع، تقرّبنا منها بعد أن راحت تذرف دموعا عند باب السجن، وصرّحت بكل عفوية، أن ابنها البالغ من العمر 39 سنة، حُكم عليه بعامين حبسا نافذا، قضى منها سنة، غير موجود في سجن الحراش، وأن الحارس أخطرها أنه تم تحويله إلى سجن تابلاط لتعبّر عن حزنها ”ما عندو حوايج ولا الدخان.. لأني لم أزره منذ شهرين.. لأني مريضة.. كما أن والده يمنعني من زيارته، جيت اليوم نشوفوا بالتخبية على باباه”، لتضيف أنه لا تملك إمكانات التنقل إلى تبلاط، كما أن صحّتها لا تسمح لها بذلك، وتسكت لتأخذ نفسا عميقا قبل ان تقول، ”حتى خاوتو ما يحوسوش عليه.. كيفاش ندير؟!”.
الأمـن يتحمّــل تـــذمّر العـــائـلات ويحــاول تهــدئــتها
من جانب آخر، وفي إطار إنجازنا لهذا الروبورتاج، كانت لنا دردشة مع مصدر أمني، وأفاد أنهم في حالة طوارئ وأنهم تلقوا تعليمات صارمة للتدخل العاجل في حال تسجيل تجاوزات من قبل العائلات التي تهدّد بالتصعيد في حال عدم خروج أقاربهم من السجن، مضيفا، أنهم وإلى حدّ كتابتنا لهذه الأسطر يتحكّمون في الوضع، قبل أن يعود ويؤكد أنهم يتعاملون مع العائلات ببرودة أعصاب لتفادي الدخول معهم في ملاسنات، خاصة وأن أغلبهم يقومون باستفزازهم على حدّ قوله.
الداخلون إلى السجن أكثر من الخارجين منه
وفي هذا الإطار، وبحكم الساعات الطويلة التي قاضيناها في سجن الحراش امتدّت إلى غاية الرابعة والنصف مساءً، شدّ انتباهنا دخول العديد من سيارات الشرطة والدرك الوطني وعلى متنها شبان موقوفون، في حين لم يغادر أسوار المؤسسة العقابية سوى مجموعة صغيرة من المستفيدين من العفو الرئاسي، مما جعل المواطنين يُعلّقون ”اللّي دخلوا للحبس كثر ملّي خرجوا منّو”.