7 ساعات.. في رواق الموت
مرضى السرطــــــان.. الدواء ”ماكــــــــــــاش”.. ”الرنديفو ماكــــــــــــاش” و”الشــــــــافي ربي”
ديار الرحمة تتحوّل إلى مراكز لاستقبال مرضى السرطان من خارج العاصمة
”الدواء ماكاش، الرانديفو ماكاش، كلش ماكاش، ندعي ربي يأخذ أمانته ويهنيني”، كانت هذه كلمات رددتها فتاة في ربيعها الثالث على مسامعنا، بعد أن قصدت مركز بيار وماري كوري لعلاج السرطان، في رحلة بحث طويلة عن مسكنات للآلام الفظيعة التي تقطع رحمها، إذ لم تكن هذه الأخيرة سوى عينة صغيرة جدا من الحالات الحرجة التي تتوافد يوميا على المكان.وإن كان من غير الممكن حصر كل ما يعانيه مريض السرطان في بضعة أسطر، إلا أن ”النهار” حاولت من خلال هذا الروبورتاج، نقل جزء من معاناة من ينهش السرطان أجسادهم، الذي لم يفرّق بين كبير وصغير، والكل هناك في طابور ينتظرون الموت البطيء الذي التمسناه خلال تواجدنا هناك. العاشرة صباحا، القاعة مملوءة بالمرضى، فهناك من جاء من قسنطينة وبشار وغيرها من ولايات الوطن، بحثا عن فرصة للاستفادة من العلاج من السقم الذي أصابهم، والذي تعذّر عليهم إيجاده لسوء الحظ على مقربة من سكناهم، على الرغم من تخصيص أموال ضخمة لتوفيره، إلا أن المرضى يقضون جل وقتهم كالعرب الرّحالة من مستشفى إلى آخر متسولين العلاج من الأطباء، الذين وجدوا أنفسهم هم الآخرين في مأزق كبير لاضطرارهم إلى الكذب على المرضى والادّعاء بأن الفرج قريب. أول ما لفت انتباهنا، كان الاكتظاظ الشديد وكثرة الأشخاص المتوافدين على المركز، بعد أن أغلقت الأبواب في وجه العديد منهم في مركز البليدة للظفر بمكان، فهناك شيوخ في سن متقدمة، شابات في سن الزهور، وأمهات بأطفالهن الرضع شاءت الأقدار أن تكن مصابات بأخبث الأورام.
”راني حابّة نعيش… سلكوني لوليداتي”
جلسنا في القاعة ننتظر، حيث كانت تجلس بالقرب منا ”و. ك” في عقدها الأربعين، تمكّنا من الاضطلاع على بطاقة المواعيد، كانت تحتفظ بها في كيس من الكرتون، وكونها لا تجيد القراءة، طلبت منا قراءة الموعد للتأكد من أنها ستخضع الكشف ذلك اليوم. كانت علامات البؤس والشقاء مرتسمة على وجهها، وعلى الرغم من أن البرد كان قارسا، إلا أنها انتعلت حذاء من البلاستيك، العديد من الثقوب، وعلى رأسها كيس أسود، اتخذته وسيلة لحماية شعرها من المطر بعد أن أتى عليه الشيب على آخره، أما جبتها فكانت هي الأخرى في حالة رثة للغاية، شرعنا في تبادل أطراف الحديث معها، وسألناها عن سبب وجودها في المكان، فقالت لنا بحسرة شديدة وهي تقلب أصابعها: ”اكتشفت منذ سنة معاناتي من سرطان في القولون، انقلبت حياتي رأسا على عقب، ولسوء الحظ وجدت نفسي في المرحلة الثانية من المرض، ومنذ ذلك الحين وأنا في سباق مع الزمن، على أن أتمكن من إنقاذ حياتي، لابد من أعيش، ليس لنفسي وإنما لصغاري الخمسة…”. تم صمتت لبرهة وشرعت في عض ذراعها الأيسر وتصيح والدموع تملأ عينيها التي كانت محمرة عن آخرها، بعد أن بدأ الألم يتملك جسدها النحيف: ”آه يا يما، آه يا يما، آآآآه ياربي ارحمني، ما عدت أطيق الألم…”، وبقيت تتكلم على ذلك النحو إلى أن جاء إليها ممرض طويل القامة، ناولها خفية علبة من المسكن كانت مخبّأة في جيب مئزره الأبيض، وقال لها: ”سيستقبلك الطبيب عن قريب”، لبثنا على تلك الحال إلى أن تم استدعاؤها للكشف، فهرعت مسرعة ساحبة نعلها على الأرض متمتمة ”ياربي ارحمني”.
مواعيد العلاج بالأشعة المستعجلة بعد شهر ونصف
قطعنا ما يسمى برواق الموت، حيث كان عشرات المرضى ينتظرون في القاعة الكبيرة، دورهم من أجل الاستشارة الطبية، والكل يشتكون من عدم توفر المسكنات للآلام الفظيعة التي تقطع أجسادهم الهشة، جلسنا لبرهة، وشرعت الممرضة في استدعاء كل شخص على حدى، فهناك من يخرج مكشرا، وهناك من يخرج مبتسما، كما كان الحال لامرأة لم تتجاوز عقدها الخامس، خرجت تصرخ من شدة الفرح، بعد أن كشفت التحاليل عدم معاناتها من سرطان الثدي، وشرعت في تقبيل النسوة اللواتي كنّ معها في الطابور، وتدعو: ”الحمد لله، الحمد لله”، بالمقابل لم يسعف الحظ العديد من المرضى، لعدم توفر الأدوية وعدم توفر مواعيد للاستفادة من العلاج بالأشعة، فضلا عن تعطل الأجهزة لكثرة استخدامها، حيث أعطيت ”ط. ب” 55سنة، موعدا بعد شهر ونصف من أجل علاج مستعجل بالأشعة.
حديقة المستشفى تتحوّل إلى مرقد للمرضى وعائلاتهم
الساعة تشير إلى الواحدة زوالا، لاحظنا اندفاع عشرات الأشخاص المتوافدين من كافة ولايات الوطن، على باب المصلحة من أجل رؤية أحبابهم الذين أقعدهم السرطان في المستشفى، فهناك من اتخذ الحديقة للمبيت، وهناك من حول المقاعد إلى فراش، كما كان الحال بالنسبة لـ”ن. ك”، 75سنة، تنقل من سكيكدة إلى العاصمة، لرؤية ابنه الذي أصيب بسرطان في الرئة، ألزمه دخول المستشفى، طلب منا يد العون لصعود الدرج، بعد أن عجز عن التوكؤ على عكازه الخشبي، أمسكنا بيده التي كانت زرقاء اللون مرتعشة من شدة البرد، وقال لنا: ”اسمحيلي يا بنتي، الله غالب، ما كاش اللي يوقف…”، ثم صمت لبرهة وقال: ”راني بايت ليلة كاملة برّا، ماعنديش الفاميليا، ووليدي مريض ما كاش اللي يقوم بيه”، فطمأناه بأننا معه، وسنصطحبه إلى الغرفة، حيث سنحت لنا الفرصة لدخول المصلحة، التي تبعث الرهبة في قلب كل شخص يدخلها، فبابها بني اللون، اهترأ لدرجة كبيرة بفعل السنين، تتوسط نصفه الثاني فتحة صغيرة، دفعنا الباب، وحينها تصاعدت رائحة قوية جدا من غرف المرضى لا تطاق، قصدنا غرفة المريض التي كانت في حال لا توصف، فالستائر قديمة متسخة عن آخرها، والجدران متآكلة، لم يجد الشيخ مكانا للجلوس، فاتخذ لنفسه مكانا بالقرب من ابنه، الذي كان في حالة يرثى لها.
نفايات استشفائية في دورات المياه!
وفي طريقنا إلى دورة المياه، اعترضتنا ممرضة قصيرة القامة، طلبت عما كنا نبحث عنه، فتظاهرنا بالحديث في الهاتف، لتفادي أي نوع من المساءلات، ولحسن حظنا أننا وجدنا باب الدورة، وبينما كنا نهم بالدخول، عدنا أدراجنا بضع خطوات كون المكان تحوّل إلى دورة للمهملات، فالأوساخ متراكمة في كل مكان، وبقايا الأكل والخبز متجمّعة، إذ كان هناك أربعة أكياس سوداء اللون، أحدها كان يضمّ كيسا مملوءا بالدماء، ما يعني أنها نفايات استشفائية وتخص المرضى الموجودين في المصلحة، والأسوأ في الأمر كله، هو أن أفرشة المرضى كانت مكدّسة في غرفة صغيرة لا يتجاوز طولها مترا واحدا، تمّ اتخاذها مكانا لتخزينها، حيث كانت تنبعث منها روائح كريهة جدا، شبيهة بتلك المستخدمة في غسيل الأموات، فما كان منا سوى أن غادرنا المكان مسرعين.
جمعية ”الأمل” لمرضى السرطان: ”20ألف مصاب ينتظرون العلاج بالأشعة”
من جهتها، أكّدت حميدة كتاب، رئيسة جمعية ”الأمل” لمرضى السرطان، أن المشاكل المتعلقة بهم لا تزال مطروحة، في ظل النقائص الموجودة على مستوى المستشفيات، خاصة فيما يتعلق بالعلاج بالأشعة، مشيرة إلى أن العلاج لايزال مؤجلا للعديد من المرضى، وتبقى مراكز معالجة السرطان الخمسة المتواجدة بكل من قسنطينة، وهران، تيزي وزو، البليدة، وبيار وماري كوري بالعاصمة، تتخبّط في نفس الظروف، ليبقى الضغط الكبير على مركزي العاصمة والبليدة.
وذكرت كتاب، أن هناك حالات تستدعي العلاج بالأشعة بشكل عاجل، تنتظر من أجل الحصول على موعد، مشيرة إلى أن أقرب موعد بعد شهر ونصف، مشيرة إلى أنه من أصل 28ألف مريض، يستفيد 8آلاف فقط من العلاج بالأشعة، وقالت إنّ التأخر في العلاج، يذهب فعالية الأدوية التي تناولها المريض، ويؤدي إلى تدهور حالته من جديد وانتشار المرض في أجزاء أخرى من الجسد.
وتطرّقت ذات المتحدثة، إلى عدم تعويض الأدوية المضادة للسرطان، وهو الأمر الذي أثقل كاهل العديد من المرضى، فضلا عن عدم توفرها إلاّ في صيدليتين بالعاصمة، حيث يضطرون إلى قطع آلاف الأميال من شتى أنحاء الوطن، لشراء علبة من الدواء للتخفيف من آلامهم.
بروتوكول اتفاق جزائري- فرنسي لمكافحة السرطان
أكّد وزير الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات، جمال ولد عباس، بباريس أنه سيتم التوقيع على بروتوكول اتفاق جزائري– فرنسي في مجال مكافحة السرطان بموجب اللقاءات بين خبراء البلدين التي من المزمع عقد أولها في مارس المقبل بوهران.
وصرّح الوزير على هامش الزيارة التي قادته إلى فرنسا، أن لقاء بين ممثلي المعهد الفرنسي لمكافحة السرطان ووزارة الصحة والمهنيين المتخصصين في مجال مكافحة السرطان في الجزائر، من أجل التوصل إلى بروتوكول اتفاق شامل لتبادل الخبرات خاصة في مجال التكوين.