''السحور والحروز'' للفوز في الانتخابات!
مترشحة تقدّم ملابس داخلية لمعرفة النتائج وآخر يسحر ”خاتما” للتصويت له بعد مصافحته
متصدّر قائمة يحضر صورته لشدّ المصوّتين له وآخر في حذائه لذهاب الناس إلى تجمّعاته
”روحي عند الشيخ الفلاني”.. ”زوري الشواف العلاني”.. وغيرها من العبارات التي تطرق مسامع أصحاب النفوس اليائسة، فتدعوها إلى زيارة الساحر أو الدجّال؛ فهو الوحيد الذي يملك مفاتيحا وحلولا للمشاكل، حسب ظنّ زواره في رحلة البحث عن مقاعد في رئاسة المجالس الشعبية المحلية وتصدّر القوائم الانتخابية، منها أحزاب ”الأرندي”، ”الأفالان” و”الأفانا”، وأخرى. كثيرة هي الأحزاب التي ضبطناها بالجرم المشهود في جلسة الشيخ ”منور” يحملون صورا لقوائمهم الانتخابية وملابسهم الداخلية ينتظرون في طوابير طويلة أمام بيت ”الشوّاف” أو كما يحلو للمواطن الجزائري تسميته ”بالڤزان”؛ بهدف فك شفرة المواطن العازف على الانتخاب وضمان فوزهم بالأغلبية الساحقة، بعدما وردتنا أخبار عن تخصّص أحد العرّافين في كتابة طلاسم مخصوصة بالإنتخابات.حكايات عديدة وخرافات أكبر بلغت مسامعنا عن الشيخ”منور” أو كما يسميه البعض ”بعراف السياسيين”، نظرا لإقبالهم الشديد عند كل موعد انتخابي، وقدراته العجيبة على معرفة المستقبل وإزالة ”الثقاف”، ومعرفة مكان السحر وتسخيره للجنّ السفلي والعلوي في جلسات العلاج، دفعتنا لزيارته بحصن الشياطين ببيته في عين البنيان لإعداد موضوع حول العوانس والمشعوذين؛ غير أن ما لقيناه من إقبال للسياسيين ورؤساء الأحزاب غيّر مخطّطاتنا وجعلنا نبحث في ”السحر السياسي”.وصلنا إلى محطة الحافلات بعين البنيان، وهناك وبمجرد أن تستفسرهم عن الشيخ ”منور” يظهر على وجههم الخوف والارتياب. هناك صادفنا طفلا صغيرا لا يتجاوز سنه 13 عاما، سألناه عن المنزل فأشار علينا بمواصلة الطريق للأمام، واتّبعنا حركاته وإشاراته فدخلنا بين بيوت فخمة، فيلات وبيوت فوضوية أسقفها من ”الترنيت”، سرنا مسافة 100 متر لنصل في النهاية إلى غايتنا المنشودة. وهي عبارة عن منزل أرضي من طابق واحد، لونه رمادي يميل للسواد الفاتح، يقف عند بابه الحديدي شيخ بلغ من العمر عتيّا؛ يرصد حركة المارّة تحسّبا لأية زيارة مباغتة لرجال الشرطة، وبمجرد الدخول تقابلك ساحة مغطّاة بـ”الترنيت” كانت تجلس تحتها بعض النساء احتماء من المطر. وفي الداخل غرفة أخرى لونها باهت ومظلمة؛ في نهايتها باب خشبي يوصل إلى منزل المشعوذ، ورائحة كريهة جدّا تغطي غرفة علمنا فيما بعد أنها مخصّصة للإنتظار والعمل في آن واحد، لم يكن بها أي أثاث باستثناء زرابي قديمة، أسرّة مصنوعة من الإسفنج موضوعة مباشرة على الأرض، عليها أغطية بنية زال لونها من كثرة الغسيل، تجلس فوقها رجال و5 فتيات كن يتجاذبن أطراف الحديث؛ ومن سياق كلامهن استنتجنا أنهن يعرفن بعضهن، فارتأينا مشاركتهن الحديث مدّعيات أنها أول مرة؛ وأننا سمعنا عن أعمال الشيخ العظيمة وقدراته الجبارة وهو ما دفعنا للإستنجاد به؛ لنكتشف أن الشابات قد قدمن من أجل تعجيل زواجهن وتطليق العنوسة؛ في حين قدم الرجال والذين تبيّن أنهم مترشحون في أحزاب سياسية من بينها ”الأرندي” و”الآفلان” و”الآفانا” وغيرها من الأحزاب الجديدة؛ من أجل إعداد ”حروز” تمكّنهم من الفوز بمقاعد رئاسة المجالس البلدية وتصويت المنتخبين عليهم خلال انتخابات الخميس القادم.
بريق السباق السياسي يُسيل لعاب أكبر الأحزاب والحلّ في ”الحروز”
سمعنا كثيرا عن السياسيين ولجوئهم إلى المشعوذين؛ وحدّثونا عن الكثير من رؤساء أحزاب يتردّدون على الشيخ ”منور”، غير أن الحقيقة تجلّت أمامنا بوضوح عندما لمحنا سيارة فاخرة رباعية الدفع من نوع ”تيكسون هيونداي” سوداء اللون، على متنها سيدتان تتوقّف أمام الباب، ونزلتا بسرعة لتدخل إحداهما وهي سيدة شابة تتحدّث مع كنة ”الشواف”؛ سلّمتها قميصا رجاليا و٣ حبات بيض، وطلبت من مرافقتها انتظار النتيجة لتغادر بسرعة، وهي الفرصة التي انتهزناها لنختلق حديثا مع مرافقتها، والتي أبلغتنا أن الملابس الداخلية والقميص ملك لرئيس بلدية حالي مترشح للإنتخابات المحلية المزمع إجراؤها يوم 29 نوفمبر 2012، لعهدة ثانية وأن صاحبه مناضل في حزب جبهة التحرير الوطني ”الآفلان”، وقد طلب من جارته وهي مناضلة معه في نفس الحزب، أن تذهب به عند المنجم ليخبرهم هل سيفوزون بالأغلبية الساحقة في الانتخابات كما جرت العادة، أم سيفوزون فقط بنسب متقاربة. مستطردة أنها المرة الثانية التي تزوره بعد إلحاح من جارتها، والتي لديها مشاغل عديدة وطلبت منها أن تُنصت لما يقوله لها وتسجّله جيدا في ذاكرتها.
مناضل في ”الأرندي” يحضر قائمة المترشحين وآخر في ”الآفانا” يسحر حذاءه
وتستمر محدّثتنا في الكلام، ليس الأمر مقتصرا على الحزب العتيد ”الآفلان”، لتشير إلى فتاة أخرى كانت أمام الباب الخارجي رفضت الدخول كي لا يعرف باقي الأحزاب وجودها، هذه الفتاة هي من حزب ”الفجر” الطامحين لتحقيق انتصار في رهان المحليات القادم، فأرسلوا معها خاتم متصدر القائمة الذي يحمله في أحد أصابع يده اليمنى، لتبحث عن سحر يضعه له المشعوذ في حجر مرجان أسود الذي يزيّنه كي يتمكّن من السيطرة عليهم بعد مصافحتهم، كما علمنا أن أحد مترشحي حزب ”الأرندي” أحضر قائمة للساحر ”منور” وطلب منه أن يقرأ له تعويذة خاصة به كي يشدّ انتباه كل مواطن مار في الطريق بمجرد أن يشاهد صورته معلّقة فينتخبه مباشرة. ومن أغرب قصص المترشّحين حكاية مناضل في حزب ”الآفانا” قدم عدّة مرات عند الشيخ، وذلك بعد أن رفضوا وضعه في القائمة الإنتخابية؛ فلجأ إلى الشيخ ووضع له سحرا؛ وبالفعل كان له ما أراد، غير أنه رجع مرة ثانية وطلب ”عملا” في حذائه حتى يستطيع جلب العديد من المواطنين لتجمّعات الحزب ولقاءاته.
ممثّلو الأحزاب السياسية يتشاجرون في مجلس الشيخ ”منور”
كعادة المناضلين ومترشحي الأحزاب، يتشاجرون في كل اللقاءات والتجمعات السياسية، فحتى في مجالس الشيخ ”منور” شاهدنا مناوشات وتشابكات بالأيدي بين مبعوثات الأحزاب اللواتي رحن يخفين نتائج تحاليل البيض عن بعضهن، وبمجرد محاولة أية واحدة منهن معرفة نتائج الحزب الخصم أو أخذ دورها في معرفة مستقبل الحزب تندلع معركة حامية الوطيس داخل المجلس، مما يدفع بالشيخ ”منور” إلى التهديد بقطع الجلسة وطردهن في حال عدم التزامهن بالآداب، لكن المثير أنهن ينصعن لأوامره ولكن بعد مغادرتهن يكملن تصفية حساباتهن والسب والشتم في الخارج أمام المنزل وعلى مرأى من المارّة.
رقية وهمية لعقد جلسات جنسية مع الفتيات
وقد سمعنا الكثير خلال زيارتنا إلى المشعوذ عن جلسات يسمّيها ”منور” بالرقية الكاملة على الجسد والتي يبلغ سعرها 2400 دج للجلسة الواحدة، حيث حيّرنا سر غلائها؛ وبعد أن سألنا فتيات حضرنها فأخبرتنا إحداهن بأنها حضرت لجلسة مماثلة؛ حيث يتم حجز موعد مسبق يوم السبت والذي يقتصر على 3 مريضات فقط؛ يدخلن بانفراد لغرفة الاستقبال؛ أين يطلب منهن التمدّد على السرير ويبدأ رقيته بقراءة تعويذات غريبة تفقدهن القدرة على النطق. مدّعيا أن الجني قد حضر وعليها عدم التحرّك واتّباع تعليماته كي لا يصيبها ضرر. فيبدأ بقراءة ”القرآن المحرّف” على كل شبر من جسدها مداعبا بذلك أماكن حسّاسة؛ مدّعيا أنه ضروري لشفائها وعليها أن لا تبدي ممانعة أو أية مقاومة، وتكون الرقية على أجزاء انطلاقا من أصابع الأرجل إلى أعلى الرأس، وإذا لم يتمكّن من تحديد منطقة الداء فلا حرج لديه من إدخال يده تحت الثوب وملامسة الجسد مباشرة حتى ولو كانت منطقة حساسة ومحظورة، مدّعيا أن تلك المناطق هي التي يكثر تلبس الجن وإقامتهم فيها.
سهيلة زميرلي أخصائية نفسانية: ”زوّار المشعوذين مثل مدمني المخدرات وضعاف شخصية”
أكدت الدكتورة ”سهيلة زميرلي” في اتصال بـ”النهار”، أن فقدان الأمل بعد محاولات عديدة باءت جميعها بالفشل ونقص الإيمان؛ هو ما يدفع الناس عموما والنساء خصوصا لزيارة العرافين والدجّالين، لذلك تستعين بهم في رحلة البحث عن حلول مشاكلها وانشغالاتها؛ خاصة وأن طريقة المشعوذ في الحديث وأسلوب الإقناع الذي يتمتّع بها، يجعلها تنجذب إليه وتصدّق كلامه، وأنه في العديد من المرّات يتزامن مع حلّ المشكلة وهو ما يزيد من ثقتها ويعزّز مكانة المشعوذ عندها، فيجعلها تدمن على زيارته وتشعر بالراحة والطمأنـينة المؤقتة والنسبية بعد كل زيارة مثل مدمن المخدرات الذي يشعر بنشوة وتحسّن بعد كل جرعة. لتضيف الدكتورة ”زميرلي”، أنه من الأجدر البحث في أصل المشكلة؛ فإن كانت صحية يجب زيارة طبيب، وإذا كانت نفسية فعليه التوجّه للإخصائيين بدل تضييع الوقت عند المشعوذين، لتواصل، أن معتقد زيارة الدجّالين والأضرحة؛ مترسّخ في مجتمعنا وهناك معتقدات عديدة عند جميع الطبقات والفئات المتعلّمة منها والأمية. لتختم الأخصائية حديثها، بأن كلّ من يتردّد على الدجّالين والسحرة يعانون من ضعف الشخصية.