إعــــلانات

الـعبادة.. خوف ورجاء

الـعبادة.. خوف ورجاء

قال الإمام أحمد: «.. السير إلى الله بين الخوف والرجاء؛ فأيهما غلب هلك صاحبه».

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ لِي: «يَا مُعَاذُ؟ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اَللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ؟»، قُلْتُ: اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «حَقُّ اَللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَفَلا أُبَشِّرُ اَلنَّاسَ؟ قَالَ: «لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا». والحديث في الصحيحين البخاري ومسلم.

وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «ينبغي أن يكون العبد سائراً إلى الله بين الخوف والرجاء؛ فأيهما غلب هلك صاحبه»، فإذا غلب الرجاء أدى ذلك إلى الأمن من مكر الله، وإذا غلب الخوف أدى ذلك إلى القنوط من رحمة الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: «لا تبشّرهم فيتّكلوا»، خوفا منه صلى الله عليه وسلم على أمته لأن الاتّكال على رحمة الله من دون عمل يسبب مفسدة عظيمة هي الأمن من مكر الله.

وكما أن الاتكال على رحمة الله يسبب مفسدة فكذلك القنوط من رحمة الله يبعد الإنسان من التوبة ويسبب اليأس من رحمة الله، ولهذا كان لا بد على العبد أن يسير إلى الله في طريق يوازن فيه بين الخوف والرجاء، فقال بعض العلماء: «إن كان مريضاً غلّب جانب الرجاء، وإن كان صحيحاً غلّب جانب الخوف»، وقال آخرون: «إذا نظر إلى رحمة الله وفضله غلّب جانب الرّجاء، وإذا نظر إلى فعله وعمله غلّب جانب الخوف لتحصل التوبة».

واستدل علماء السلف في ضرورة عبادة الله تعالى بالخوف والرجاء جميعا بقوله جل وعلا: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} ـ المؤمنون 60؛ أي: خائفة أن لا يكون تُقبّل منهم لتقصير أو قصور، وقيل: يغلب الرجاء عند فعل الطاعة ليحسن الظن بالله، ويغلب جانب الخوف إذا هم بالمعصية، لئلا ينتهك حرمات الله.

وفي قول معاذ بن جبل رضي الله عنه: «أفلا أبشّر الناس؟»، دليل على أن التبشير مطلوب فيما يسرّ من أمر الدين والدنيا، ولذلك بشّرت الملائكة إبراهيم، قال تعالى: {وبشّروه بغلام عليم} ـ الذاريات 28، وهو إسحاق، والحليم إسماعيل، وبشّر النبي صلى الله عليه وسلم أهله بابنه إبراهيم، فقال: «ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم».

ولهذا كان من حسن الخلق تبشير الناس بما يسرّهم ويدخل الفرحة على قلوبهم، وعكس ذلك الامتناع عن إدخال السوء على قلوب المسلمين، خاصة إذا كان الأمر مما لا منعة منه، ولهذا يروى أن النبي قال: «لا يحدثني أحدٌ عن أحد بشيء، فإني أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصّدر».

وهذا الحديث فيه ضعفٌ، لكن معناه صحيح؛ لأنه إذا ذكر عندك رجلٌ بسوءٍ؛ فسيكون في قلبك عليه شيءٌ ولو أحسن معاملتك، لكن إذا كنت تعامله وأنت لا تعلم عن سيئاته، ولا محذور في أن تتعامل معه؛ كان هذا طيباً، وربما يقبل منك النصيحة أكثر، والنفوس ينفر بعضها من بعض قبل الأجسام، وهذه مسائل دقيقةٌ تظهر للعاقل بالتأمّل.

ومن هنا ظهر أيضا جواز كتمان العلم للمصلحة، إذ أن كتمان العلم على سبيل الإطلاق لا يجوز؛ لأنه ليس بمصلحة، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً ولم يكتم ذلك مطلقاً، وأما كتمان العلم في بعض الأحوال، أو عن بعض الأشخاص، لا على سبيل الإطلاق؛ فجائزٌ للمصلحة، كما كتم النبي ذلك عن بقية الصحابة خشية أن يتّكلوا عليه، وقال لمعاذ: «لا تبشّرهم فيتّكلوا».

 

رابط دائم : https://nhar.tv/h7CYX