الفصل من العمل، تلفيق القضايا والتعرّض للشّرف.. لرافضات الانصياع لنزوات المسؤولين
”وحوش آدمية” تترصد النساء بمقر العمل والطالبات أثناء الدراسة
”اتهمني بخيانة الأمانة وأمثل اليوم أمام العدالة لأفنّد الادعاءات التي جاءت على لسان الضحية، فرفضي لطلباته الدنيئة ومضايقاته المستمرة سبب وقوفي كمتهمة”، هكذا ردت سكرتيرة بشركة خاصة مَثُلَتْ مؤخرا أمام محكمة ”بئر مراد رايس” لتطالب ببراءتها من التهم التي نسبت إليها من طرف مديرها الذي كان يتحرش بها، لتكون بذلك عيّنة من الجزائريات اللواتي تعانين من ظاهرة التحرش الجنسي الذي يطال المرأة العاملة أوالمتمدرسة، سواء كانت عزبة أومتزوجة .هذه الظاهرة التي تتعدد مظاهرها ما بين التحرش الشفهي من إطلاق النكات والتعليقات المشينة، والتلميحات الجسدية، والإلحاح في طلب و نظرات موحية إلى ذلك، ثم تتصاعد حتى تصل إلى اللمس والتحسس، وهو ما يُعدّ من ألوان إهانة المرأة وإذلالها.ومن أبرز أشكال التحرش، ذاك الذي تتعرض له المرأة بميدان عملها ومدرستها، كونه الأكثر انتشاراً، ولأن الدراسة والعمل في نظر الكثيرين هما بوابة الدخول لتحقيق المرأة حياة الحرية والمساواة مع الرجل، هذه المعاناة التي أخذت تبرز بكثرة، بعد أن كانت تعالج في الخفاء.وقد أصبح ”التحرش الجنسي ” واحداً من كوابيس المرأة الجزائرية العاملة منها والطالبة الجامعية، حيث أضحت كثيرات بعانين في صمت مطبق خوفا من الفضيحة في مجتمع لا يرحم يفضح المرأة ويُشهّر بها، قبل أن يفصل فيما إذا كانت متورطة أو ضحية، ومن لم تخف من الفضيحة فهي تفكر وتمعن التفكير قبل أن تطرق أبواب المحاكم، لأن الكثيراً من ضحايا التحرش تخفن من الفضيحة، وتلويث السمعة، خاصة وأن أصابع الاتهام ستشير إليها بالدرجة الأولى، لذلك فهي تفتقد الجرأة والشجاعة في التحدث عن معاناتها . و في هذا الإطار، عالجت محكمة ”بئر مراد رايس” مؤخرا، قضية خيانة الأمانة التي توبعت من أجلها موظفة في شركة خاصة على خلفية الشكوى التي قُيّدت ضدها من طرف مسؤولها المباشر، غير أن المتهمة وهي شابة في مقتبل العمر، وبمثولها أمام قاضي الجنح فنّدت الجرم المنسوب إليها جملة وتفصيلا، وأكدت أن القضية كيدية من شأنها إلحاق الضرر بها والانتقام منها من طرف الضحية الذي قام بمقاضاتها للتستر على أفعاله ”الدنيئة” من تحرشات جنسية ومضايقات غير لائقة، حيث أوضحت في معرض تصريحاتها أن الضحية ”المزعوم”على حد قولها كان يجبرها على البقاء بالمكتب إلى ساعات متأخرة، وكان يستدعيها من بدون أسباب، ولأنها أبدت رفضا لطلباته راح يتهمها بجرم لم تقترفه.و في سياق متصل، عالجت ذات الهيئة القضائية جريمة مماثلة، توبعت موظفة في شركة مختصة في الأشغال العمومية، هذه الأخيرة التي أكدت في معرض تصريحاتها أن صاحب الشركة الذي تأسس كضحية عرض عليها ”الخروج معه”بالرغم من فارق السن الكبير، كما كان يجبرها على أفعال يندى لها الجبين، ولأنها كانت ترفض ذلك قيّد شكوى أمام العدالة، قبل أن تعود وتؤكد أنه طردها تعسفا، فلجأت إلى الفرع الاجتماعي للمطالبة بحقوقها، كما تجدر الإشارة إلى أن محكمة ”بئر مراد رايس” برأت كلتا المتهمتين من روابط الأفعال المنسوبة إليهما.
تلتزم الصمت خوفا من فقدان عملها بسبب الحاجة
وفي هذا الإطار، وعند إنجازها لهذا الموضوع، التقت ”النهار”ببعض النسوة والفتيات اللائي تعرضن للتحرش، فصرحت واحدة منهن بعد تردد كبير أن رب عملها كان يلمس شعرها، ويجبرها على حضور اجتماعات غير ضرورية، ويكتب إليها رسائل جنسية فاضحة. ورغم أنه لم يلمس جسدها قط، إلا أنها تقول إنها كانت تشعر بالترهيب النفسي، قائلة ”لقد كنت عرضة لقدر لا يُصدق من التوتر وكنت أقفز خوفا كلما رنّ جرس الهاتف لأنه خلق لدي إحساسا بالاضطهاد، كان يأتي إلى مكتبي، وكنت أختفي في دورة المياه، وكان ينتظرني طويلا.”أما سيدة أخرى تجاوزت عقدها الرابع، رفضت الكشف عن هويتها، قالت إنها كانت تعمل سكرتيرة لدى مدير عام بشركة عمومية منذ أزيد من ستة أشهر فصرحت” أعيش حالة قلق وتوتر دائمين بسب تصرفات مديري الدنيئة، وبحكم أنني سكرتيرته الخاصة فأنا أقضي ساعات معه كل يوم في المكتب بالتفكير واختلاق طريقة لتجنب نظراته الوقحة جداً ومحاولاته الدائمة للمسي ،فحتى عندما أدخل بيتي لا أتخلص من العصبية ، وكثيرا ما يعود ذلك سلبا على ابنتيّ اللتين لا وليّ لهما ولا مسؤول عنهما غيري”.هذا و أجمعت كثيرات على أن الخوف من التعثر في الدراسة جعل بعض الضحايا يلتزمن الصمت، كما تبين أن الطالبات أكثر شعورا بالخجل والغضب والخوف والتشويش، وأقل ثقة وأكثر شعورا بخيبة الأمل تجاه تجربتهن الجامعية بعد تعرضهن للتحرش الجنسي.
بالمقابل، فإن الكثير من النساء ينفضلن العودة إلى لمنازلهن بعد تعرضهن للتحرش، وهناك أثر بالغ على سير العمل وقوته، فالقبول لن يكون على أساس الكفاءة والمؤهلات، بل سيكون هناك عناصر جديدة في أولوية التوظيف، فالجمال وحسن المظهر ، هما أهم الصفات المطلوبة عند أصحاب النفوس المريضة .
الخبير في علم الاجتماع أحمد حلفاوي، لـ”النهار”:”ميزان قوة المرأة يضع حدّا لظاهرة التحرش الجنسي”
طالب ”أحمد حلفاوي” الخبير في علم الاجتماع، بإجراء دراسات وأبحاث بخصوص ظاهرة التحرش الجنسي، الذي يطال العاملات والطالبات في الجزائر، حيث كشف في اتصال مع ”النهار” أمس، أن الافتقار لمثل هذه الابحاث والمعطيات يصعّب إحصاء حالات التحرش في المؤسسات الخاصة أو العمومية، أو على مستوى الجامعات.وأشار ذات المتحدث، إلى أن ظاهرة التحرش تعصف بالمجتمع الجزائري، فهي عالمية وغير استثنائية، قبل أن يعود ويؤكد أن ميزان قوّة شخصية المرأة يلعب دورا أساسيا في محاربة هذه الظاهرة، فإذا كانت السيدة تتميز بمكانة عالية وشخصية متميزة وقوية لا يمكن لها أبدا الوقوع في ”شِراكه”، في حين أن المرأة الضعيفة تنساق وراء نزوات المتحرِّش بها.