المطحنة الحجرية تنقذ سكان لعيون بميلة من الهلاك
/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Tableau Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:””;
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}
حجزت الثلوج المتراكمة حول المنازل سيارات وشاحنات المواطنين بأعالي بلدية مينار زارزة، التي تستمر فيها المعاناة رغم فتح الطريق وتزويد بعض أهلها بالمؤونة على غرار قرية عين عالي وفدولس، التي تبعد عن مقر البلدية بحوالي أربعة كيلومترات، أين ساهم رجال الشرطة الذين رافقوا ”النهار” إلى المنطقة، في محو جزء من بصمات الكارثة التي خلفتها العاصفة الثلجية بكثير من دوائر الولاية، من خلال الدورات اليومية التي تقوم بها.ووصلت ”النهار” يوم أمس إلى أعالي جبال بلدية مينار زارزة، التي تعد من أكثر المناطق تضررا من هذه العاصفة الثلجية التي اجتاحت الوطن، مرافقة بذلك مصالح الأمن الولائي لولاية ميلة الذين أبوا إلا تفقد مواطني البلدية التي قادتهم إليها عدة زيارات سابقة في عز الأزمة، وزعوا خلالها مختلف المواد الغذائية وقارورات الغاز، أين كان يبدو الأمر قد انتهى وانقضى الشتاء وأخذ معه كل المعاناة، بالنظر إلى السماء الصافية والشمس الساطعة التي كانت توحي بانقشاع المأساة نهائيا.بلغنا مشارف الوجهة التي كانت مقررة مسبقا بعدما، تم ملء قارورات الغاز من قبل عناصر الشرطة، بغرض توزيعها مجانا على المواطنين بالمنطقة، وتحديدا لمن تعذر عليه الوصول إلى المدينة ولميسوري الحال، حيث كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحا حين انطلقنا من فرجيوة متجهين نحو البلدية التي عرفت على المستوى الوطني أنها ضحية الثلوج الأخيرة بلا منازع.
الدخول إلى بلدية زارزة وتجلي بوادر الأزمة
كانت السماء صافية والجو ربيعيا ولم يكن هناك أي شيء يوحي بوجود معاناة وراء تلك الجبال البيضاء، لكن ومع الإقتراب من البلدية بدأت الثلوج تتجلى بوضوح، وتبين أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد ثلوج للمتعة أو الفرجة والسياحة، فكلما توغلنا أكثر بأعالي جبال مينار زارزة زاد سمك الثلوج عن الحد المقبول، حيث كانت وجهتنا قرية عين عالي، فأخذنا الطريق المارة من قرية ”فدولس” على اعتبار أنها طريق جيدة.كان الأمر أشبه بالخيال ونحن نشاهد ثلوجا بسمك ٦ أمتار تغطي منازل بأكملها لأن العاصفة قد توقفت قبل ٤ أيام على الأقل، فقد قال جزار الحي وهو يقف تحت نفق من الثلوج لا يرى من محله سوى الباب الذي تم فتحه بعد يومين من توقف تساقط الثلوج، إن سمك الثلوج كان أكثر بكثير رغم أن هذا الأخير كان يغطي المحل ويزيد عن ارتفاعه بقرابة متر كامل، جراء التراكمات. وأضاف ”لقد تم فتح هذا النفق بعد معاناة حقيقية شارك فيها معظم السكان الذين ساهموا في فتح هذا المحل، في الوقت الذي تحتجز الثلوج التي حجب الضوء عن الطابق الأول من منزل الشيخ شلغوم الطاهر، شاحنة وسيارة إلى جانب بضاعة المحل، على اعتبار أن الطابق جعل كله دكاكين، مؤكدا أنه منذ أربعة أيام يسعى لفتح الطريق وإخراج شاحنته وسياراته ولم يصل بعد إلى بوابة المدخل رغم أنها لا تبعد سوى بأمتار قليلة من الطريق الرئيسي الذي تم فتحه.
عين عالي والمعاناة الحقيقية جراء الكارثة التي خلفتها الثلوج
بلغنا منطقة عين عالي التي كانت الطريق إليها عبارة عن منعرجات يصل سمك الثلوج مع أطرافها المتر، في الوقت الذي يتجاوز سقف البيوت في المناطق الإجتنابية، أين كنا رفقة عناصر الشرطة الذين كانوا يحملون قارورات الغاز باعتبارها أهم ما يطالب به سكان تلك القرية، فلا شيء يصل إليهم إلا إن نزلوا إلى وسط مدينة مينار زارزة، حيث عادت الحياة تدريجيا إلى مجراها الطبيعي.كان السكان في البداية يشاهدون اقتراب سيارات الشرطة ويرقبونها بأعين الإستغراب والإستفسار، قبل أن تختلط بعدها بعبارات الفرح والسرور وهم يرون قارورات الغاز تقترب من بيوتهم، وتوزع عليهم بالمجان، غير مصدقين انقشاع جزء من هذه المعاناة التي عمّرت طويلا، فقد كانوا يسيرون ثلاثة كيلومترات من أجل الحصول على الغاز وسط ثلوج يفوق سمكها المتر أو المترين فإذا بها توزع أمام بيوتهم مجانا.قال الحاج بلعقون بلقاسم الذي يقيم رفقة 10من أولاده داخل بيت يعود للعهد الإستعماري يكاد سقفه يخر عليه، لذا قام بوضع أعمدة تحت السقف وكان يفترش البلاستيك ”النيلون” على الأرض لعزل الأرضية عن قطرات الثلوج الذائبة، حتى لا يتحول المنزل إلى كومة من الأوحال لأن هذا الأخير لا يزال من تراب منذ تم بناؤه قبل خمسين سنة على الأقل، في الوقت الذي تعزل الثلوج منزله عن الطريق الرئيسي بقرابة 300متر، جعلته لا يخرج إلا للحاجة.
يطحنون القمح والشعير بالحجارة منذ بداية العاصفة الثلجية
وأشار من جهته مبارك من منطقة لعيون بعين عالي، إلى أنه يطحن رفقة بعض السكان من جيرانه القمح والشعير، مستعملا المطحنة اليدوية الحجرية لحماية نفسه وعائلته من الهلاك جوعا، في الوقت الذي قطع الشيخ مبارك وكل العائلات المحيطة ببيته أشجار الزيتون وكل الأشجار وإعطائها لمواشيهم التي لم تعد قادرة على مواصلة الصبر على الجوع. وقال عيسى إنه طيلة أسبوع كامل قبل انفراج الأزمة كان معظم سكان منطقة لعيون يضعون على منازلهم، أعمدة طويلة من أجل التعرف عليها يكون فيها قطع من القماش بغرض التعرف عليها، مشيرا إلى أنه لم يكن يظهر منها سوى الباب التي ندخل منها، كما أنه الثلوج التي تتساقط في كل حين كانت تغطي آثار الأقدام وكأننا كنا في الصحراء.
الحلوى والمشروبات الغازية فقط في محلات عين الحمراء ببوحاتم
الحلوى والمشروبات الغازية، هو ما تتوفر عليه محلات عين الحمراء ببلدية بوحاتم في ميلة، طيلة أسبوع كامل عجزت فيه الكاسحات عن اختراق سمك الثلوج وفتح الطريق، مما خلق تحد أمام سكانها الذين وجدوا أنفسهم مخيرين بين مكابدة شبح الجوع والهلاك، أو النزول إلى المدينة التي تبعد عنهم بثلاثة كيلومترات، لجلب المؤونة وقارورات الغاز، التي أصبحت شرطا أساسيا لضمان البقاء، خاصة لأصحاب الأكواخ الهشة في وقت أصبحت درجات الحرارة ترتفع عكسيا.ويقول ”سعيد. ب” أنه كادت أن تحدث الكارثة وكاسحات الثلوج تحاول فتح الطريق، فقد كان هناك ثلاث كاسحات ضخمة خرجت إحداها عن الطريق فأوشكت على الإنقلاب، لولا تدخل الكاسحة الثانية لإخراج الأولى والثالثة تقوم بسحب الثانية، في مشهد جد مروع وسط ثلوج تمنع أية حركة للأمام أو الخلف، خاصة أن الطريق عبارة عن مرتفع جعل سمك الثلوج ارتقاءه أمرا شبه مستحيل حتى على كاسحات من هذا الحجم.
يتغطون بالبلاستيك حتى لا تتبلل بطنياتهم لأن البيت أصبح عبارة عن مرش
الشيخ ”عمي السماتي” ذو الثمانون عاما يقيم لوحده رفقة زوجته تحت كوخ من حجارة وطين، بني عقب الإستقلال مباشرة، مغطى سقفه بالقصب والقرميد الذي حطمته حجارة الأطفال، فلم يعد قادرا على صد ثقل الثلوج التي تعتليه بعدما بلغ سمكها المتر، ولا في إمكانها حمايته من قطرات ذوبانه التي قال إنه لم يعد يأبه بها، فهي لا تدع زاوية واحدة من زوايا ذلك الكوخ إلا وتزورها، حتى إن العجوز المسكينة زوجته تضطر إلى إخراج الماء من أرضيته كل ساعة أو ساعتين. لم تعد القطرات المتساقطة هاجسي -يضيف الحاج ”ب. السماتي”- فهي لا تفارق بيتي سواء سقط المطر أو الثلوج، والحل الوحيد الذي أعمل به حاليا هو أنني أقوم بتغليف البطانية من الأعلى بشيء من البلاستيك حتى أعزلها عن قطرات السقف، التي لا تدع أحدا ينام لأن اصطدامها مع البلاستيك ”النيلون” لا يختلف عن وقوعها على أسقف القصدير، الأمر الذي يجعلني أحيانا –يقول ”عمي السماتي”- أفضل الخروج إلى الخلاء على البقاء داخل البيت”. كان البيت أشبه بأكواخ العهد الإستعماري، كيف وهو البيت الذي انتقل إليه عمي السماتي بعد الإستقلال فرحا بهذه المناسبة العظيمة، يقول ”كان حرزا لي من البرد والأمطار طيلة عدة سنوات، لم تتصدع جدرانه ولم يسقط سقفه، إلا أن هذه العاصفة لم أرها منذ عقود فقد أصبحت جدران بيتي كما ترون متصدعة تنذر بالسقوط، أما السقف فلم يعط إنذارا ولا تحذيرا ولكن أجبرته هذه الثلوج على النزول، أنا الآن أنتظر انهيار الجدران لا أكثر ولا أقل”.