''زوالية'' يسكنون القصدير ويركبون ''الماتريال الخشين''
جزائريون ”لا باس بيهم” يختارون عيشة الفقر بحثا عن المال والسكن على حساب الدولة
عمّي علي 3 سيارات 3 حجّات و”الريزيدونس” في الكوخ منذ 33 سنة
”بيام دمعة” أمام كوخ قصديري، ”كليّو 4 رياضية” و”إيبيزا آف آر” مركونتان أمام بيت من القش.. مناظر مررنا بها وجعلتنا نتساءل عن أصحابها.. هل ذلك ”الماتريال الخشين” فعلا مِلك لسُكّان تلك البيوت؟!، وإن كان الحال، ما الذي يحمل مُواطنا غنيّا على السّكن في بيت من القصدير؟، أو كيف يُمكن لمواطِن بسيط أن يملك سيّارات فاخرة؟، هذا ما حاولنا الإجابة عنه بتنقلنا عبر بعض الأحياء القصديرية التي مضى على تشييدها سنوات طويلة، وتوارثها جيلان، بعضهم أبقتهم الحاجة سُجناء لتلك الأكواخ، والبعض الآخر ”دار التاويل” وبقيّ وفيّا لأسقف الحلي والجُدران المبنيّة من القشّ والحطب، لا لشيء إلاّ طمعا في امتيازات ”الدّولة” أو حُبّا في حياة ”الڤالو” عبر سرقة الماء وكوابل الغاز والكهرباء، غير أنّ هذا لم يمنعهم من التّفاخر بسيّارات لا يقلّ ثمنها عن المائة مليون، وقد تصل إلى مليار سنتيم.رافقنا طارق في هذه الرحلة، بل كانت الفكرة فِكرته، حيث إنه ”يبريكولي” ليلا بسيّارته عبر العمل ”كلوندستان”، ويجوب شوارع المدينة وأزقّتها، مما سمح له بأن يرى مناظر كانت تبدو له غريبة، مثل تلك السيّارات الفاخرة المركونة أمام أكواخ مُتواضعة، قبل أن يطّلع على قصص هؤلاء المُواطنين أصحاب ”البروفيتاج”، وقرّر أن يفضح تلك المُمارسات التي قال إنها غريبة على مُجتمعنا، وأنّ مُحاربتها صارت واجبا علينا جميعنا، كيف لا؟، وهي تمنح امتيازات لأشخاص لا يستحقّونها على حساب ”زواولة” لا يعثرون على سقف يأويهم.
تُجّار يملكون ”طاكسيات” وحافلات وشاحنات نفعّية.. ويزهدون في السّكن
وانطلقنا بسيارة ”توينغو” بيضاء ترقيم 2001 على الساعة الثامنة مساء.. حيث مررنا من حي المنظر الجميل بالقّبة، توجد به بعض الأكواخ المبنيّة من الخشب والحليةّ والقّشّ، ورغم هذا تُوجد في مُحيطها سيّارات نفعيّة مركونة، راح طارق يذكر لنا أصحابها بالاسم، هذا تاجر وآخر صاحب حافلتي نقل، وثالث يملك شاحنة لنقل البضائع الثقيلة، قبل أن يتساءل: ”أليس من الغريب أن يسكن كوخا تاجر له محلّ وسيّارة نفعية ويُوظّف أكثر من 10 عُمّال، وغير قادر على شراء أو استئجار مسكن مُحترم؟!، ونفس المناظر رأيناها في أحياء أخرى مُشابهة، حيث مررنا بالحيّ الأنيق جيلالي اليابس قبل أن نصل إلى حي البدر وتحديدا بالمساكن المعروفة في ”الميترو”، حيث تُوجد بالقرب منها مساحات لركن الحافلات الخاصّة بسُكّان البيوت القصديرية، والأغرب من ذلك أنها حديثة التّرقيم، كما لاحظنا اصطفاف سيّارات الأُجرة، وطلب منا طارق أن نقترب من بعض الشّباب الذين كانوا يقفون في المكان، ليسألهم عن عُنوان شخص يعرفه يملك حافلة نقل، فدلّونا على الكُوخ الذي يسكنه، ومررنا بالقرب منه من دون أن نتوقّف، ووقفنا على حالته الُمهترئة وغادرنا إلى وِجهة أخرى…
”زواولة” برُتبة ”بزناسية” ورجال أعمال
مررنا بعدها بحي ”ميشال” إلى ”لابروفال” لندخل حي ”غريغوري” الذي يملك بعض سُكّانه شاحنات الحاويات، وشاحنات نفعيّة من الحجم الكبير، يقودونها نهارا ويركنونها ليلا، هم رِجال أعمال فِعليّون، حسبما أكّده لنا مُرافقنا الذي لا يسكن بعيدا عن المكان، وله أصدقاء ذكر لنا أسماءهم ونوع العمل الذي يُمارسونه، تُجّار ومهنيّون وأصحاب محلات، كما أنّ أغلب ”بزناسية” السيّارات الذين يقتنونها لإعادة بيعها في السّوق السّوداء هم من خِرّيجي البيوت القصديرية، حيث لاحظنا أكثر من سيّارة من نوع ”ليِّون” ترقيم 00 مُصطّفة في مكان واحد، وعلى زُجاجها لافتة ”للبيع”.
”البروفيتاج داير ظل” و”التريسيتي والماء باطل”
عرّجنا على الطّريق السّريع ”الدار البيضاء” لندخل إلى عين النعجة مُرورا بمساكن ”عدل”، وكانت وِجهتنا هذه المرّة حي المالحة والذي يسكنه مُواطنون بُسطاء، أجبرتهم الظروف على العيش في بيوت لا تصلح حتى خمّا للدجاج، ينتظرون بفارغ الصّبر أن يُرحّلوا إلى مساكن لائقة للخُروج من مُعاناتهم اليومية، ولكنّ هذه الوضعيّة المُزرية أصبحت وسيلة استثمار لدى بعض ”البزناسية” مثل عمّي علي الذي أوقفنا سيّارتنا أمام الكوخ الذي يعرفه طارق جيدا، حيث قال بتحسّر، ”هذا أكبر ”بروفيتور”، هو الحاج علي صاحب 3 سيّارات، واحدة له وأخريان لزوجته وابنته، غير أنّه لا يترك حياة الأكواخ، لأنها تجعله لا يُنفق مالا، حيث يسرق كوابل الكهرباء والغاز ولا يدفع ثمن الإيجار، ويستفيد من الامتيازات التي يحصل عليها كرجل مُتقاعد من إحدى المؤسّسات العُمومية المعروفة، والأغرب أنّ الحاج علي زار بيت الله 6 مرّات منذ 33 سنة يسكنها متنقلا بين الأكواخ والبيوت القصديرية، على الرغم من حصوله على مسكن اجتماعي، ويملك 3 سيارات، منها سيارة ”رانج روفر”، كما ذكر طارق أنّ سُكّان الحي تبرّؤوا منه لأنه يُشوّه صُورتهم، ويجعل الناس تنظر إليهم على أنّهم ”انتهازيون” والحال أنّ الكثير منهم أُجبر على العيش في الأكواخ.
مُواطنون اعتادوا ”الزّقو” وآخرون يخافون حياة التّرف
وتمكنا بفضل مُساعدة طارق أن نتحصّل على شهادة سعيد المدعو في الحي ”سعيدو” والذي صارحنا بأنه وُلد في كوخ وتربى في كوخ، غير أنه تمكّن باجتهاده وجدّيته في الدّراسة والعمل، أن يُحسّن من وضعيّته الاجتماعية، حتى أنه اليوم يعمل إطارا في إحدى أكبر الشّركات العُمومية، ويحصل على أجر مُحترم، غير أنه قال إنه غير قادر على ترك حياة الأكواخ، لأنه اعتادها وفسّر ذلك بالقول إنه ”رجل شعبيّ ويعشق الحياة البسيطة”، وأضاف أنه لا يُمكن أن يترك ”حيّه وأصدقاءه الذين تربّى معهم” ويُغادره إلى آخر إلاّ إذا ارتبط واستقرّ وأنجب أطفالا، وفي هذه الحالة قد يضطّر إلى أن يُقدّم مصلحتهم على مصلحته وراحته. كما تحدّثنا إلى سيدة أرملة تشتغل وتكسب أجرة تُمكّنها من إعالة أسرتها المُتكوّنة من 3 أبناء، حتى أنها استبدلت مُؤخّرا سيّارة من نوع ”ياريس” بأخرى من نوع ”كومبيس” ولكنها تُفكر دائما في أنّ ”الميزيرية” تصنع الرّجال، عكس حياة الغِنى التي تُحوّل النّاس إلى أشخاص مُتّكلين، وصارحتنا السيّدة التي تحدّثنا إليها من دون أن نكشف عن هويّتنا أنّ تجربتها وتجربة إخوتها الذين عانوا في صِغرهم وزادهم الفُقر نُضوجا وحِكمة جعلتها ”تخشى من حياة التّرف” وتُفكّر في أنّ الغِنى والسّكن المُريح أصل كلّ المصائب، ومُواطنون آخرون يرون ضرورة حُصولهم على السّكن عبر مُختلف صيغ دعم الدولة، لأنّ السّكن حقّ كفله الدّستور، وعليه لابدّ أن يستفيدوا وينتظروا ولو كلفهم ذلك معاناة طويلة وبؤسا وأمراضا بل حتى لو أمضوا حياتهم كُلّها في القصدير…