عزوفها عن الزواج جعل العائلة في إحراج
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أنا رجل في غاية الحيرة سيدتي، لا لشيء إلا لحرصي على أن أكمل الرسالة التي بدأتها مع بناتي والمتمثّلة في تزويجهن وإيصالهن إلى برّ الأمان، إلا أن ثمّة مشكلة ترهق كاهلي وتحرمني تذوّق طعم الراحة.فبعد أن منحتها من الدلال والحرية الكثير، وبعد أن أتمّت دراستها الجامعية؛ بدأ الخطّاب يتقدّمون إليّ طالبين يدها، لما أتمتّع به من سمعة طيّبة بين كل من يعرفني من جهة، ولحسن أخلاق وجمال فلذّة كبدي التي لا يختلف اثنان على أنها مضرب المثل في الاستقامة والتربية، لأتفاجأ بها ترفض الأمر جملة وتفصيلا.في البدء فسّرت الأمر على أنه خوف من المسؤولية، كما أني علّلت رفضها برغبتها في الارتباط بشخص كانت أو هي على علاقة به، فتحاملت على نفسي وصبرت على الأمر وكلّي أمل أن أجد تفسيرا للأمر، لكن لا حياة لمن تنادي.من المؤكد سيدتي أنك تشاطرينني الرأي في أنه ما من أب أو أم في هذه الدنيا إلا ويتوقان إلى اللحظة التي يزفّان فيها أبناءهم إلى عشّ الزوجية، كما أنه ومن غاية السرور أن يحسّ الرجل منا بأن هناك من يقصده باسم الحسب والنسب خاطبا كريمة من كريماته، لأن في هذا الأمر كثير من الرفعة في الشأن والقيمة لنا بين الرجال؛ سواء أكان ذلك بين أفراد العائلة أو بين الأصدقاء والمقرّبين. كما أنه لا يختلف اثنان من أن رفض بنيّتي مسألة تحلم بها أية فتاة، من شأنه أن يحرجني مع الجميع؛ خاصة وأن جميع الخطاب الذين تقدّموا إليها لا يعيبهم شيئ سواء أكان ذلك من جانب الأخلاق أو المال أو الجاه، فكيف لي أن أواجه الجميع، وما هي التفسيرات التي في إمكاني أن أمنحها لهم.ولعلّ أكثر ما آلمني وحزّ في نفسي، أن ألسنة الناس بدأت تلوك سمعة ابنتي بالسوء، لدرجة عزف فيها الشباب عن قصدي لخطبة أخواتها الأخريات اللواتي وللأسف وجدن أنفسن تدفعن ثمن ما لا دخل لهن فيه.أنا في حيرة من أمري سيدتي، فهل يجوز إرغام ابنتي على الإرتباط ممن أراه أنا مناسبا لها، علما أن ديننا الحنيف يستهجن إكراه الفتيات على الزواج؟، أم هل لي أن أتركها على هواها على الرغم من أن نتائج ذلك جدّ وخيمة؟، ماالذي في وسعي فعله سيدتي؟، أنا في أمس الحاجة إلى نصيحة حتى لا أظلم نفسي وأظلم فلذة كبدي.
الحائر من الغرب.
الرّد:
تعدّ التربية الصالحة من أنبل الرسالات التي في إمكان الوالدين تلقينها لأبنائهم وخاصة بناتهم، فعلى الأوّلين منح الحب والحنان، فيما على الآخرين الطاعة والولاء.لا أختلف معك أخي في مسألة أن زواج الأبناء من أهم ما يمكن أن يسعد الوالدين، فهما يحسّان بأنهما بلّغا الرسالة المنوطة لهما بكثير من النجاح والفلاح، بعد سنوات من التعب والسهر الذي لم يذهب سدى، ولعلّ أكثر ما من شأنه أن يسعدهم، إحساسهم بأن فلذّات أكبادهم استقرّوا مع أشخاص يضمنون لهم السعادة والهناء.فيما يخصّ مسألة رفض ابنتك مسألة الزواج والتي تثير الكثير من الحيرة والإستغراب لكل من يسمع بها، فأنا أظن بأن مردّها الدلال الكثير الذي أغدقت به عليها، والذي جعلها كثيرة الارتباط بك إلى درجة هي ليست قادرة على تحمّل مسؤوليتها ومسؤولية زوج تظنه بأنه سيحرمها كل الحرية والتفتّح الذي فتحت عليه عيناها.كان عليك أخي أن تكون أكثر صرامة معها منذ الصغر، حيث إنك تتحمّل مسؤولية ما يحدث الآن، فلو أنت تعاملت مع أبنائك وخاصة بناتك بمنطق الشدّة والصرامة، لما كان لهن اليوم كل هذه الجرأة في رفض ما تراه أنت مناسبا لهن.أنصحك أخي بضرورة التحدّث إلى ابنتك في الموضوع، ومصارحتها بمخاوفك بأن تصبح يوما ما عانسا فيعزف الجميع عنها، وتندم ندما شديدا على تضييعها سنوات الشباب في رفض خيرة الشباب الذين هاموا بمستواها وجمالها وحسبها ونسبها، كما أنه عليك إخبارها أيضا بأنك تريد أن تزفّها عروسا إلى بيت زوجها قبل أن تفارق الحياة، حتى تطمئن عليها وترتاح، ولست أظنها ستستقبل هذه الكلمات بالصدّ ما دامت كلها تخاطب الفؤاد.من جهة أخرى، أنصحك أخي بأن توكل مهمة الحديث إلى ابنتك في هذا الموضوع إلى زوجتك، كونها الوحيدة المقرّبة إليها والتي في إمكانها فك طلاسم اللغز الذي قلّب كيان العائلة رأسا على عقب.لا تأخذ الأمر على أنه مشكل كبير سيدي، وتيقّن أن الضغط الذي مارسته مؤخرا على ابنتك هو ما جعلها تتبنّى هذا الرفض، فاترك لها مجالا حتى تسترجع أنفاسها وتفكّر على مهلها في مسألة لا يجوز التهوّر فيها؛ حيث إنها مسألة مصيرية، كما أنه عليك أن لا تعير كلام الناس أهمية، لأنه لا يقدّم ولا يؤخّر في شيء، فأنت سيدي أعلم بشرف بناتك الذي لا يمكن لأحد أن يشكك فيه.اصبر أخي ودع الأمور تسير على طبيعتها مع ابنتك، واعلم أن الزواج قسمة ونصيب، وأن كل واحد منا لن يأخذ إلا نصيبه، ولتدعو اللّه أن يهديها إلى كل ما هو خير لها وصلاح.
ردّت نور.