على الرغم من أن معالم الرجولة بادية عليّ.. إلا أن والدتي تتحكم فيّ
من الصعب أن يجد الرجل منا نفسه يعيش في جلباب أنثوي على الرغم من أن ما جبلنا عليه وتعلّمناه منذ نعومة أظافرنا يقتضي أن يكون آدم القوّام المسؤول على حواء مهما كان منصبها ومهما كانت مكانتها في هذه الدنيا.
باختصار سيدتي.. هذا هو فحوى مشكلتي التي أعاني منها، حيث إني وعلى الرغم من بلوغي سن الرشد والتمييز بين الصالح والطالح، إلا أن والدتي تتحكّم في كل تصرّفاتي وحركاتي وحتى سكناتي لدرجة تستفزّني وتجعلني في قمة الغضب والاستياء. فمنذ أن فتحت عيناي على الدنيا، لم أجد غيرها أمامي، حيث إنها وبعد طلاقها من والدي عكفت على تربيتي والسهر على جعلي في أحسن المراتب، خاصة بعد انصراف أهلها عنها، فكنت محور كل اهتماماتها وتفكيرها، وقد تجلّى ذلك في أنني كنت مضرب المثل في الاستقامة والأخلاق والنجاح. كل هذا ظننته سيتغيّر بعد أن وُفّقت بعون الله ورضى والدتي عليّ، إلا أني سرعان ما وقفت على حقيقة مرّة مرارة العلقم، حيث إن سهر والدتي وحرصها علي بات كالظل الذي يأبى مفارقتي، والدليل أنها لا تتركني لأقدم على أي قرار أو خطوة دون أن أرجع إليها، وقد أبانت في آخر مرة فاتحتها فيها في مسألة زواجي من فتاة تعمل معي عن تسلّطها وتدخّلها بالشيء الذي لا يرضيني، فالأمر يتعلّق بمستقبلي وكل حياتي، وإن كنت قد منحتها الأولوية في عديد القرارات السابقة والمتعلّقة بالدراسة والتخصّص، إلا أن ذلك لا يعني أبدا أن ترفض من اخترتها بمحض إرادتي زوجة ورفيقة للدرب، علما أن الفتاة لا يعيبها شيء، إلا أن أكثر ما حزّ في نفس والدتي؛ أني لم أعد إليها لما اخترت من ستحمل اسم عائلتنا وتمنحني الولد. لا يمكنك أن تتصوّري سيدتي موقفي مع الفتاة التي أحببتها أن تعوضني وأمي سنوات الحرمان والوحدة التي عشناها، حيث إنها اتهمتني أني مسلوب الإرادة أمام والدتي، كما أنها أخبرتني بأنه لا يشرّفها أن ترتبط برجل لا ينقصه شيء، بدءا بالمظهر انتهاءً بالشخصية؛ حتى تقرّر والدته في مكانه قرارا شخصيا وفي غاية الأهمية. الأمور لم تتوقّف عند هذا الحدّ سيدتي، حيث إن والدتي أخبرتني بل وأمرتني بأن لا أكون آخر اهتماماتها بعد هذه المشكلة التي خلقت نوعا من الهوّة بيننا، كما أنها صعقتني بأن حياتي وكل قراراتي المصيرية يجب أن تكون بعد موافقتها، حيث إنه لا يجوز لي أن أجحد وأتصرّف بما يمليه علي عقلي وهي التي ضحّت بحياتها وكل شبابها في سبيلي، فهل يعقل هذا؟، هل يعقل أن أبقى تحت تصرّفها وقد بلغت العقد الثالث من العمر؟، وهل يجوز أن ألغي كل أحلامي وآمالي بهذه الطريقة الأنانية التي تصرّ والدتي على فرضها علي؟، أنا في حيرة من أمري سيدتي، فأنيري دربي ولا تبخلي علي بما من شأنه أن يخفّف عليّ.
الحائر من الوسط
الرّد:
من الضروري أن يفهم الواحد منّا تصرّفات غيره ويعطيها من التفسيرات ما من شأنه أن لا يظلمهم به، وهذا تحديدا ما أحاول جعلك تفهمه، حيث إنه عليك أخي أن تفهم تصرّفات والدتك وتفسّرها من منطلق العقل قبل المشاعر، ولا تنسى أنها هي من منحتك الحياة وضحّت من أجلك بزهرة شبابها وكل عمرها حتى أصبحت في هذا السّن وكل هذا الرقيّ والنجاح، ولتدرك جيّدا أن العديد من أبناء الطلاق من هم أفراد غير أسوياء في مجتمع لا يرحم الضعفاء والمنكسرين مثل أمك التي جازاها اللّه كل الخير لأنها جعلتك فردا نافعا ومميّزا في هذه الدنيا. لا تكفي كلمات الدنيا بأكملها لأن أوصل لك الألم الذي في إمكانه أن يعتري أي أم تحسّ بأن فلذّة كبدها جرحها أو أساء إليها، كما أنه لا يفوتني أن أخبرك بأن الإجابة التي أخطّ كلماتها في وقت انصرف فيه غالبية شبابنا عن طاعة أوليائهم؛ مردّه أني أنثى أخذت على عاتقي الذود عن حواء أينما كانت وحيثما وجدت، إلا أني أخبرك بأن تصرّف والدتك نابع من كونها خائفة أن تفشل في حياتك بعدما أوشكت أن تنال منها كل شيء، فبعد النجاح في الدراسة وتبوئك أحسن المناصب وأفضلها، لم يبق عليك سوى اختيار الزوجة الصالحة التي تبني إلى جانبها حياتك وتكمل معها مشوار نجاحاتك. ومن هذا المنطلق، ومن باب أن حواء تفهم حواء، تصرّفت أمك بمنطق رفض من اخترتها ليس من باب التحكّم فيك والتدخّل في حياتك بل من باب الخوف على أن تهوى بسبب الحب والمشاعر التي لم تكن يوما لتعرفها من سواها، فتخسر أمام عينيها كل ما بنته هي وسهرت على تلقينك إياه. لم تمنحك والدتك رفضها القاطع لمسألة زواجك، كما أنك استبقت الأمور لما أعلنت لقلبك ولحبيبتك التي اخترتها رفيقة لدربك بأنك فشلت في نيل السعادة، وهذا وإن دلّ فإنما يدلّ على أنك لا تستطيع الأخذ بزمام الأمور والخروج بما من شأنه أن يرضي الجميع، فعوض الخنوع واليأس كان حريّا بك أن تحدّث والدتك وبكل ثقة بأنك تتفهّم قرارها، وبأنك أيضا متمسّك بقرارك، كما أنه عليك أن تحدّثها بأنه عليك تحمّل مسؤوليتك ولو لمرة حتى تحسّ بكيانك كرجل من جهة وحتى تبيّن لها بأن تعبها وسهرها المضني في سبيلك لم يذهب هباءً منثورا، ولست أظنّها ستتعنّت أو ترفض ما دامت تحبك ولا ترضى بغير رضاك. من جهة أخرى، عليك أن تُفهم فتاتك وهذا إن كانت حقا تحبك، بأنه عليها أن تقف إلى جانبك وتصبر على هذا الأمر تحديدا، حتى تجد حلا للموضوع وحتى تحسّ بقيمة أمك ومكانتها في الحياة، وحتى تأخذ هي الأخرى فكرة تستند إليها في حياتها حين سيكون لها منك أبناء، حتى تستوعب أهمية الأسرة وأهمية تماسك الزوج والزوجة. وقبل أن أختم ردّي لك بني، تيقّن بأنه ما من أم في هذه الدنيا إلا وتسهر على أن يكون فلذات أكبادها أحسن الناس وأنجحهم، وبأن يعيشوا السعادة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني، ودعني أذكّرك بني بأنه ما من أم في الدنيا يكبر أبناؤها إلا ويبقون بالنسبة إليها صغارا لا يمكنها التفريط فيهم أو التملّص من مسؤولياتها تجاههم مهما كان أو حصل. الرجولة الكاملة بني.. تقتضي منك أن تكمل مشوار الطاعة التي بدأته بكثير من الإصرار والثقة في النفس، ولتتذكّر أنه ما خاب في الدنيا من ولد صالح ومطيع، كما أن الجنة تحت أقدام الأمهات.
ردّت نور