فقدت همّتي والسبب هو والدي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدتي الفاضلة نور.. أعانك الله على فعل الخير، وقدّرك على ذلك، ومن دون مبالغة وبكل صراحة، أعتبر صفحتك هذه رئة ثالثة أتنفّس منها الصعداء؛ بعد أن تدهورت حالتي النفسية وأصبحت أعاني شللا في الإرادة والعزيمة…نعم سيدتي.. أدري أنك لن تصدّقي هذا الانهيار من شخص في ريعان الشباب، لم يعد لديه حلّ للتخلص من المعاناة إلا الانتحار، وهذا لا يعني أبدا أنّ فؤادي خال من الإيمان وحبّ الله، لكن الضرر النفسي حطّمني وتغلّب عليّ، وكأن جسمي فقد الرغبة في المواصلة، فأنا بتّ أشعر بأني محلّ استهزاء ومسخرة في العمل وفي كل مكان أوجد فيه، وكل هذا بسبب ضعفي وراحتي التي لا أجدها إلا في الانطواء والعزلة، إلى درجة أن فكّرت في الاستقالة والاستسلام..سيدتي.. لقد عشت طفولة عادية، لكن ما ميّزها هو الدلال المفرط من الأب الذي لم يكن زواجه ناجحا مع أمي، وتدليل أبي لم يتوقّف عند ذلك، بل تواصل معي حتى في الكبر، وذلك لأني كنت ولدا ضعيف البنية وقليل الصحة، وهذا سيّدتي أفقدني روح المسؤولية، فصرت لا أعرف الاعتماد على نفسي، ثم تطوّر الوضع ليفرض أبي رأيه عليّ في كل صغيرة وكبيرة؛ مُمارسا معي القوّة الليّنة، فقد أعطى لنفسه حرية التصرّف بدلا عني، فأصبح يُقرّر مكاني في أمور تخصّني شخصيا.لكن الغريب في الأمر سيدتي، صدّقي أو لا تصدّقي، أني لاحظت مؤخرا أن أبي يحسدني، خاصة بعد أن أتممت دراستي العليا، فكلّما أثنى أحدهم عليّ في حضوره يصبح عصبّيا ولا يستطيع أن يتمالك نفسه، تصوّري أيضا أنه لا يريدني أن أتزوّج، فكلما فاتحته في الأمر تهرّب وغيّر الموضوع، وهذا لأنه لم ينجح في زواجه، ثم تطوّرت الأمور إلى الأسوأ، وما زاد من شجني وحزني أن أبي الذي كنت أثق فيه كثيرا؛ أصبح ضدي جهرة، حتى إخوتي اكتشفت أنهم يُكنّون لي الحقد بسبب أبي كذلك؛ إذ كان لا يعدل بيننا ولم يرعهم جيّدا في الصغر.أرجوك سيدتي.. أنيري دربي فلا أمل لي في الحياة، أرجوك أخرجيني من هذه الحالة بردّك، فأنا الآن مضطرب وحائر…
أسير العذاب
الرد:
بُني، أشكرك كثيرا على ثقتك فينا، وعلى صراحتك في الطرح، فإنه ليس من السهل الاعتراف بأمر كان في يوم من الأيام مصدر ثقة وهمّة لنا، وتحوّل اليوم إلى عقبة تعرقل سيرورة الحياة وتطوّرها، فحبّ ودلال الوالدين أمر يتمنّى أن يحظى به كل شخص، لكن حقيقة، إذا زاد الشيء عن حدّه انقلب إلى ضدّه.بُنيّ.. دعني أذكّرك بقوله تعالى، “وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم، فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا…”، والمعروف هو مفتاح سرورك، ومفتاح تعاملك مع والدك..إن أكثر ما أعجبني في رسالتك هو تحليلك الصائب لشخصية والدك وشرحك للأمور بكل موضوعية وشفافية، فهذا سيفيدك أكثر في التخلّص من العُقد التي سبّبها لك حب ودلال والدك المفرط؛ وبالتالي الرسو على برّ الأمان بحول الله،تأكّد بُنيّ.. أنه وعلي الرغم من كل شيء، فإن والدك يحبك ويحبك كثيرا، أما تصرّفاته فهي ترجمة لما يُكنّه لك من خوف عليك، وأكبر دليل على ذلك هو أنه كان يخصّك بمعاملة مميّزة بسبب ما تعرّضت له من اضطرابات صحية منذ الصغر، لكن الأمر الذي تناساه والدك هو أن ذاك الشبل الصغير قد اشتدّ ساعده وأصبح أسدا في مقدوره مصارعة الحياة وصعوباتها بمفرده.. وعليه.. أنصحك بُنيّ، أن تتحلّّى بالحكمة وبالتعقّل، وحاول أن تُعامل والدك بنفس المرونة التي عاملك بها، لكن بدل أن تمزجها بالقوّة أمزجها بنوع من الحيلة الذكية والعاطفة الجيّاشة حتى لا تكون متنكّرا لخير والدك، شاركه همومك ومشكلاتك، واستشره في مشاريعك، لكن حاول أن يكون النقاش الهادف هو سيّد الموقف بينكما، مستعملا في ذلك أسلوب “نعم.. ولكن يا أبي..”، مستدلاّ بحجج وبراهين مقنعة بإمكانها أن تضع والدك أمام حقيقة نُضجك ووعيك في هذه الحياة، وإياك يا بُني أن تجرح مشاعر والدك بتجاهله وإلغائه من حياتك، أو التفكير بأنه يغار منك ومن نجاحاتك، وهو همّه الوحيد منذ أن كنت صغيرا تألّقك وراحتك.حاول بُني أن تنزع من ذهنك تلك الأفكار السوداوية التي تكوّنت جرّاء رغبتك في التحرّر من سيطرة والدك، فكيف لأب أحبّ وأغدق أن يكره فلذّة كبده، أو أن يقف عثرة في وجه تقدّمه، حاول أن تتفهّمه أكثر وأن تسايره إلى ما يصبوا إليه، من دون تجريح، ولا كبت لما يخالج وجدانك من، أما فيما يخص إخوتك، حاول أن تندمج معهم وتشاركهم أقراحهم وأفراحهم، ولما لا.. أن تُقحمهم في معاناتك ليشعروا ما تشعر به.بُني.. إن الحياة مجموعة من المواقف ولا يجب على المرء أن يفشل ويرفع الراية البيضاء أمامها، فقط حاول أن تنهل ما استطعت من مهارات تُعيد لك الثقة في النفس، وتُمكّنك من الخروج من كل مأزق بأقلّ ضرر ممكن، خاصة وأنك على دراية كبيرة ووعي أكبر بما يدور حولك، والمثل يقول “إذا عُرف السبب بطُل العجب”، فإن أنت تقبّلت تدخّل والدك في حياتك؛ والذي أنا شخصيا أراه أمرا طبيعيا، فإن الغير لا محال سيعدّه كذلك، فلا تنساق وراء تعليقاتهم، فإن إرضاء الناس غاية لا تُدرك، فلما كل هذه السلبية ولما كل هذا الاستسلام؟، ثم هل تظنّ أن الانتحار سيحلّ المشكلة…؟، تعقّل بُني، وحاول مع والدك بالتي هي أحسن وأقوم.
ردّت نور