''قدمت مليونين و600 ألف دولار للقراصنة الصوماليين للإفراج عن 17 جزائريا''
”جلبت مبلغ الفدية من لبنان وأرسلته في طائرة صغيرة إلى القراصنة”
أفصح رجل الأعمال السعودي، غيث رشاد فرعون، صاحب مجموعة فرعون القابضة، لأول مرة، عن مضمون المفاوضات التي دارت بينه وبين القراصنة الصوماليين، من أجل الإفراج عن البحارة الجزائريين والأجانب وباخرة ”أم في البليدة”، كما كشف عن قصة وقيمة بيع السفينة المختطفة والسبب الحقيقي وراء النزاع القائم بينه وبين ”كنان”، فضلا عن الظروف التي أدت به إلى جر الجزائر إلى التحكيم الدولي، زيادة على تفاصيل أخرى مثيرة في هذا الحوار الحصري لجريدة ”النهار”.
بداية سيدي، حدثنا عن سفينة ”أم في البليدة” التي تعد الحدث الأبرز في شراكتكم مع ”كنان” الجزائرية، والتي تم اختطافها من قبل قراصنة صوماليين؟
هذه السفينة كانت تنقل كميات من الإسمنت يوم أن تم اعتراض طريقها في عرض البحر وتحويلها إلى منطقة سيطرتهم، وبعد تحريرها والإفراج على الرهائن تم إرسال باخرة أخرى لتزويدها بالوقود والأكل للبحارة وكذا الماء وكل ما يحتاجونه إلى غاية وصولها إلى ميناء مومباسا، حيث مكثت هناك في انتظار استعادتها من قبل ”كنان” مالكتها الرسمية، غير أن هذه الأخيرة وبعد مطالبة إدارة الميناء بمبالغ فاقت 700 ألف دولار نظير رسوها بالميناء، قررت بيعها في المزاد العلني مقابل مليون دولار، وهي القيمة التي لا تساوي حتى نصف القيمة الحقيقية لسعر السفينة في حالة بيعها في سوق ”الخردة”، وقد عرضتُ عليهم شخصيا قرضا من دون فوائد بقيمة الديون المترتبة على رسو السفينة في ميناء مومباسا، على أن يقوموا باستعادتها وبيعها من موقع قوة أو على الأقل في سوق ”الخردة” بآسيا، حيث تباع السفن على أساس وزنها من الحديد، وكانت هذه الأخيرة ستباع بـ٢مليون دولار على الأقل، فقلت أعيدوا لي القرض بعد بيع السفينة واحتفظوا بالفائدة، فرفضوا وقاموا ببيعها في المزاد.
كيف تم تحرير البحارة والسفينة ومن قاد المفاوضات؟
القراصنة ومقابل تحرير السفينة والإفراج عن البحارة، طالبوا بفدية قدرها مليونين و600 ألف دولار، فكانت الحكومة الجزائرية رافضة تماما لفكرة المفاوضات أو دفع الفدية لهؤلاء القراصنة، لكنني كنت أفكر في البحارة الذين كانوا على ظهر السفينة، فلم يكن لي مصلحة في تحرير السفينة أو الإسمنت، لأن كل شيء مؤَّمن 100 من المائة وشركات التأمين ستقوم بالتعويض، فاضطررت لمباشرة المفاوضات مع القراصنة عن طريق شخص اسمه أبو علي أو أبو أحمد، وبعد الاتفاق مع القراصنة على المبلغ الذي تم اشتراط دفعه نقدا ودفعة واحدة، توجهنا إلى لبنان باعتباره البلد الوحيد الذي يمكن أن يسحب فيه مبلغ بهذا الحجم دون أية عراقيل.
وبعدها كيف تم إرسال هذه النقود؟
بعد تأمين المبلغ أخذنا طائرة صغيرة وحمّلناها بالمال، ثم طارت إلى غاية وصولها فوق السفينة التي يسيطر عليها القراصنة سيطرة كلية بالتنسيق مع الوسيط، ثم قامت بإنزال مبلغ الفدية على ظهر السفينة وأكملت طريقها، ليتم بعد ذلك إخلاء سبيل السفينة والبحارة في اليوم الموالي، أين قمنا بعدها بإرسال باخرة أخرى تابعة لنا كانت سائرة في نفس الطريق إلى موقع السفينة من أجل تزويدها بالوقود وكل ما يحتاجه البحارة من مأكل ومشرب وكذا علاج، إلى غاية وصولها إلى ميناء مومباسا.
هل هناك تعويض أو مشاركة من قبل الجزائر في مبلغ الفدية الذي دفعته للقراصنة؟
كنت أعلم منذ البداية أن الجزائر لن تفاوض الإرهابيين ولا القراصنة، وعلى هذا الأساس لم أنتظر منها المشاركة في هذا المبلغ، وبما أنه كان لي عدد من البحارة على ظهر السفينة من مختلف الجنسيات وهم موظفون لدي، فتحمّلت هذا المبلغ لوحدي لوجه الله ولم تدفع منه الجزائر دينارا واحدا.
ما مصير البحارة الذين كانوا يشتغلون في بواخر الشركة المختلطة ”IBC” ؟
شركة ”IBC” كانت توظف 450 بحار أحيلوا حاليا على البطالة، بعد هذا النزاع الذي لا أعتبره في الأصل مشكلا، كما أنه كان في الإمكان حله بالطرق الودية لو كان هناك نية لمواصلة الشراكة، بالنظر للحلول التي تقدمنا بها للشركة.
نعود إلى قصة استثماركم في الجزائر، كيف بدأت تجربتكم هنا؟
بداية استثماراتي هنا بالجزائر كانت من العرض الذي تقدمت به إحدى الشركات الجزائرية الخاصة بصناعة الإسمنت، والتي كانت في البداية تريد فقط من يساعدها على تطوير المصانع، ولكننا طلبنا منهم التطوير والمشاركة، فقبلوا الفكرة وكان ذلك سنة 2005، حين تسلمنا إدارة مصنع بني صاف للإسمنت مقابل نسبة شراكة بـ35 % من الأسهم وحافظت الشركة الأم على 65 %، حيث نصت الاتفاقية حينها على رفع إنتاج المصنع الذي كان ينتج كمية تتراوح بين 400 إلى 550 ألف طن سنويا قبل دخولنا الشراكة، ليصل إنتاجه في الأشهر الأولى من بداية الشراكة التي كانت سنة 2007 إلى 800 ألف طن ثم إلى مليون طن سنويا في نهاية السنة الأولى من الشراكة، وهي الطاقة القصوى وفق التصميم الفرنسي لهذا المصنع، أين استمر ذلك منذ 2007 إلى غاية هذه اللحظة، وقد تم تجاوز الطاقة القصوى بـ80 ألف طن إضافية في السنوات الأخيرة.
كيف كنتم تتقاضون نصيبكم من هذه الشراكة؟
كان الإتفاق المبرم بيننا وبين الحكومة بشأن مصنع بني صاف للأسمنت، هو استفادتنا نحن كشركاء من ثلث الكمية التي تزيد عن 600 ألف طن التي كان ينتجها المصنع قبل دخولنا هذه الشراكة، فيما تستفيد الدولة من ثلثي الإنتاج الإضافي، على أن نتسلم حصتنا كإسمنت ونقوم ببيعها في الأسواق أو تشتريه الدولة وتسلمنا حقه نقدا وفق سعر متفق عليه، ولكننا فضلنا بيعه للحكومة على دخول السوق رغم أننا كنا سنحقق أرباحا خيالية.
كيف دخلتم في شراكة مع المؤسسة الوطنية للنقل البحري ”كنان”؟
دخولنا في شراكة مع المؤسسة الجزائرية للنقل البحري ”كنان” كان سنة 2007، باعتبار أن النقل البحري يدخل ضمن اختصاص شركتنا أيضا، فقد كنا من أكبر موردي الإسمنت من فرنسا إلى السعودية قبل 10 و15 سنة، أيام كانت السعودية مثل الجزائر حاليا، تحتاج كميات هائلة من الإسمنت، نظرا للنهضة العمرانية التي شهدتها آنذاك، ولم يكن لدينا مصانع حينها تنتج الكمية الكافية لتلك المشاريع، كما عملنا أيضا في توريد الإسمنت إلى مصر وكذلك إلى ماليزيا. وقد علمنا في البداية أن شركة ”كنان” الحكومية تعرض بواخرها للبيع، فعرضنا عليها فكرة ضم كل بواخرها الثمانية في شركة واحدة للنقل البحري، وقلنا لهم بأننا مستعدون لدعم هذه الشركة والدخول معها في شراكة، مع تقديم كل الدعم، وإلا فنحن مستعدون لشراء كل هذه السفن في صفقة واحدة، بعدما تم تقييمها من قبل لجنة مختصة بـ18 مليون و200 ألف دولار.
وكيف تحوّل قرار ”كنان” من محاولة بيع السفن إلى مشروع شراكة؟
قدمنا لهم عرضا ثانيا، ينص على أنه وبدل بيع هذه السفن تدخل معنا في شراكة، تكون لنا نحن الشركاء الأجانب 51 من المائة ولها 49 من المائة، دون أن تدفع ”كنان” دينارا واحدا لا بالإدارة ولا بإصلاح السفن ولا بميزانية إدارة الشركة المختلطة وأننا نحن سنتكفل بكل شيء، كما قمنا بتقديم قرض للشركة المختلطة ”IBC”، بقيمة 5 ملايين دولار من أجل مباشرة أعمالها، كدفع أجور العمال والتجهيزات وكذا إصلاح ثلاث سفن كانت موضوعة بالمرسى الكبير في وهران منذ سنين، غير صالحة للسير، على أن تقوم بإعادة مليون دولار كل سنة من دون فوائد من أرباح الشركة، حيث قدمنا ضمان لشركة ”كنان” بأننا سنعطيها 20 من المائة كأرباح سنويا، من قيمة السفن التي تم تقييمها بـ18 مليون دولار، أي 3 مليون و640 ألف مليون دولار سنويا أرباح لـ”كنان” مقابل هذه الشراكة.
ما هو سبب النزاع بينكم وبينهم فيما بعد إذا؟
سبب النزاع بيننا وبين ”كنان” بدأ منذ صفقة إصلاح السفن الثلاث التي كانت معطلة عن العمل بميناء المرسى الكبير في وهران، حيث كان أمامنا ثلاث ورشات عالمية لإصلاح السفن، إحداها في آسيا وهي الأفضل والأرخص من حيث السعر، غير أنه لم يكن في إمكاننا جر هذه السفن إلى هناك لبعد المسافة، فكان أمامنا خيار رومانيا أو اليونان، فاخترنا رومانيا لأنها قدمت لنا أسعارا أفضل، وبينما كانت السفن في عرض البحر متجهة إلى رومانيا، تلقينا إخطارا بعدم إحضارها إلى رومانيا، لأن الميناء الجاف الذي كان سيستقبلها تحطم، بعد سقوط رافعة من الحجم الكبير على أرضيته، فاضطررنا إلى تحويلها إلى اليونان التي قدمت لنا أسعارا مضاعفة، ولكن كان لا بد من القبول بها بدل تركها في عرض البحر، غير أن ”كنان” بعد ذلك شكّكت في قيمة الفواتير واتهمتنا بالتزوير، وهذا هو سبب النزاع والخلاف الذي أنهى الشراكة فيما بعد.
كيف تطورت القضية ووصلت إلى لجنة التحكيم الدولية؟
لم أكن أنوي مطلقا جر الجزائر إلى المحاكم أو القضاء الدولي ولا حتى المحلي، لكن ”كنان” فرضت عليّ ذلك، بعدما أغلقت كل أبواب الصلح في وجهي عرضت عليهم إجراء خبرة دولية لهذه الفواتير على حسابي الخاص فرفضت، وطلبت منهم تعيين ثلاث شركات عالمية كبرى مختصة في الملاحة البحرية لتقييم قيمة إصلاح هذه السفن على حسابي الخاص أيضا، على أن يقبلوا بحكمها ويكون نهائيا، فإن هي قالت بأن الفواتير غير مزوّرة والقيمة حقيقية قبلتموها، وإن قالت العكس قبلت بالمبلغ الذي تحدده حتى إن كان ذلك خسارة لي، فرفضوا أيضا وأصروا على تعيين خبير جزائري من جهتهم حكم بأن الفواتير مزورة، فلم يكن أمامي بعدها غير خيار واحد هو التوجه إلى التحكيم الدولي الذي رأيتم نتائجه، مع العلم أنني قابلت حينها الوزير طمار والوزير الأول السابق أحمد أويحيى من أجل التدخل لحل النزاع وديا، غير أنني لم أتلق أي جواب، وللعلم فإن لجنة التحكيم التي كان من بينها أكبر رجل قانون جزائري وهو ”أحمد محيو”، طالبت بخبرة ثانية قامت بها الشركة العالمية ”فيري طاس”، وكانت نتائج خبرتها تماما مثل الخبرة التي قدمناها لهم، والتي كانت من إعداد الشركة العالمية ”لندن سالف” أكبر شركة ملاحة في العالم.
ما مصير بواخر ”كنان” الثمانية التي دخلت بها في هذه الشركة المختلطة وأين ترسو حاليا؟
بواخر ”IBC” وبعد النزاع القائم بين الشركاء، تم تحويلها إلى موانئ آمنة بعضها في ماليزيا والبعض الآخر في اليونان، وهي حاليا مربوطة هناك ويمكن لـ ”كنان” استعادتها في أي وقت، غير أنها لم تشأ ذلك بالرغم من أن الضريبة تزيد ومستحقات الرسو بهذه الموانئ في ارتفاع أيضا، لكن هذا الأمر لم يعد من صلاحياتنا الآن، رغم أنه أتيحت لنا صفقة مربحة لبيع ثلاث سفن صغيرة ترسو في اليونان وشراء باخرة ضخمة تناسب عملنا، غير أن ”IBC” رفضت، وما يقال بشأن احتجازنا لهذه السفن وبيعها مجرد إشاعات، لأن الأصح أن هذه السفن تنتظر صاحبها لاستعادتها في أي وقت.
علمنا أنه هناك دعوى قضائية ضدكم أمام العدالة الجزائرية بشأن ملف الخلاف القائم بينكم وبين CNAN وIBC؟
أنا أحترم الجزائر والعدالة الجزائرية، ولكن في الحقيقة لم يصلني أي شيء رسمي بخصوص هذه الدعوى، ولكن بالمقابل فإن هذه الدعوى تم الفصل فيها من قبل لجنة تحكيم دولية تابعة لغرفة التجارة الدولية، وبحضور رجال قانون جزائريين، وصدر الحكم وفق ما ينص عليه القانون الجزائري، فأنا أعتقد أن العدالة الجزائرية ستأخذ بعين الاعتبار هذا الحكم، الذي يلغي المتابعة من جديد عن نفس الوقائع أمام أي جهة قضائية كانت، كما أظن بأن ”كنان” ستطبّق ما جاء في الحكم الصادر عن لجنة التحكيم الدولية.
هل باشرتم الإجراءات من أجل تنفيذ قرار لجنة التحكيم الدولية؟
ليس بعد، لأن القرار لم يعد نهائيا، فمن حق الطرف الآخر استئناف هذا الحكم أمام محكمة الإستئناف، ونحن ننتظر ذلك.
ألم تؤثر هذه التجربة على رغبتكم في الإستثمار بالجزائر؟
أنا مقتنع بأن الجزائر هي أفضل بلد للإستثمار، وقد أخبرت الكثير من رجال الأعمال الجزائريين المستثمرين في الخارج وقلت لهم بأن العمل في الجزائر وليس هنا، ولكن في الحقيقة بعد هذه التجربة الشيء الوحيد الذي يمكنني قوله هو أنني سأختار شريكي جيدا في مشاريعي المقبلة في الجزائر.