ما أكثر الموتى الأحياء ممن يتحركون في فراغ
تحية طيبة وبعد: يحكى أن أحد الصيادين ذهب إلى غابة إفريقية واصطاد طائرا مغردا ووضعه في القفص وتوجه به إلى بلده، لقد وفر لهذا الطائر كل وسائل الراحة، وبعد سنتين قرر أن يزور الغابة مرة أخرى، فسأل الطائر هل من رسالة تريد إيصالها إلى أصدقائك؟ فقال الطائر: «بلغ لهم سلامي وقل لهم إني أحبكم»، اتجه الصياد إلى تلك الغابة وقرب الشجرة التي تعيش فيها الطيور، قال لهم: «إن صديقكم يشتاق إليكم ويبلغكم سلامه»، حيث أن أحد الطيور لما سمع هذا الكلام اغرورقت عيناه بالدموع وسقط مغشيا فاقدا الوعي، فرجع الصياد إلى بلده وحكى ما حدث لذلك الطائر، وفجأة سقط الطائر الأسير مغشيا عليه داخل القفص، بيتفاجأ الصياد ويخرج جثة الطائر ويرميها بعيدا، وفي لحظة يستيقظ الطائر ويحط على الشجر.. لقد تظاهر بالموت، فقال له الصياد: «خدعتني»، فقال له: «صديقي الذي سقط مغشيا عليه كان يبلغني رسالة مفادها إذا أردت الخروج من القفص مت في الحياة» . الموت في الحياة حكمة إنسانية وعندما تأملت آيات القرآن الكريم وسوره وجدت هذه المعاني، فأهل الكهف هؤلاء الفتية لجأوا إلى كهف مظلم، الظلام هو موت وفناء، ولكن من هذا الظلام كان النور والخلود وكانت الرحمة الإلهية والسكينة والحفظ، ويوسف عليه السلام رمي في الجب وكان هدف الإخوة التخلص منه، فإذا بالجب هو بداية الخروج إلى عوالم النجاح والقيادة والتأثير.الموت في الحياة هو اللجوء إلى زوايا الصمت والعزلة والنسيان ومراجعة الذات، لننطلق من جديد بطاقة خلاقة وإرادة قوية نصنع بها المستحيل، النبتة عندما تدفن في الأرض وتمكث مدة تطول أو تقصر، ثم سرعان ما تشق التراب لتنمو سنبلة أو فسيلة، تتحول إلى شجرة عظيمة تواجه الرياح العاتية والأعاصير المدمرة، لا تعرف الانحناء أبدا لأنها استمدت قوتها من عمق التربة وارتوت بمياه الخلود.عزيزي القارئ لا تتعجل الشهرة ولا الظهور ولا الأضواء الكاذبة، فالذين خلّدهم التاريخ ووضعوا بصماتهم هم الذين ماتوا في الحياة وفي الحقيقة هم الذين عاشوا الحياة مستيقظين، واعين باللحظة الراهنة، فما أكثر الموتى الأحياء الذين يتحركون في الفراغ من دون تأثير ولا إبداع ولا إنجاز.
شدري معمر علي/ البويرة