مستشفيات تتحّول إلى أوكار للفـئران والقطط
طبيبة تطلب تحويلها من البرواڤية إلى العاصمة بعد تعرّضها لعضة فأر أثناء المناوبة
الفئران تفتك بمولود ميت بعد ساعات قليلة من وفاته في باتنة
قطط تبحث عن مشيمة لملأ بطنها الصغير، وجرذان وفئران تقتات من كلّ ما تجده في طريقها، قد يعتقد القارئ للوهلة الأولى أن الأمر متعلّق بإحدى المزابل، ولكن المكان هو مستشفياتنا التي بالإضافة إلى سوء التسيير الذي تتخبّط فيه، أصبحت أكبر بؤر للأمراض التعفنية وأكبر ناقل للجراثيم.من خلال الزيارة التفقدية التي قادت ”النهار” إلى بعض مستشفيات العاصمة، تتكوّن لدى الزائر عند دخوله إليها صورة أولية عمّا يعانيه زوّارها، فالأطباء يتوجّهون إلى المقاهي بمآزرهم، أعوان تخدير وإنعاش يتقاسمون أطراف الحديث خارجا، وسط الغبار، والنتيجة بعدها هو أنّ المريض الذي سيخضع للعلاج من قبلهم ستتدهور حالته الصحية.والأسوأ في الأمر كلّه، هو أنه في ظل انعدام النظافة في مستشفياتنا، تجد القطط والفئران فرصة لملأ بطونها الخاوية بـ”خاوة الصغير” كما هو معروف بالعامية، أو بتعبير أصح المشيمة التي أصبحت طبق القطط المفضّل، دون أن تتدخل الإدارات لوضع حدّ لهذه الكوارث، التي أصبحت تهدّد صحة الآلاف التي تقصد ”السبيطارات” يوميا.
”بيدون واحد” لكل مصلحة
ومن بين المظاهر التي أصبحت تميّز المؤسسات الاستشفائية، هو قيام عاملات التنظيف بالاقتصاد في كميات المياه المخصصة لتنظيف المصالح، إذ أنها تكتفي فقط بتنظيف المكان بأجمله بدلو واحد فقط دون تغيير الماء، أو حتى استخدام ماء الجافيل التي تعد أساسية لتعقيم هذا النوع من الأماكان التي تكثر فيها الجراثيم، بحجة الاقتصاد فيها، وقيام مديري المستشفيات، بمحاسبتهن على كل شاردة وواردة، على الرغم من الميزانية الكبيرة التي تخصّصها الحكومة لقطاع الصحة الذي يرتكز على غلاف مالي ضخم جدّا، إلا أنه لاحياة لمن تنادي.
من ”القهوة” إلى غرف المرضى…!
جولة صغيرة في المستشفيات، تكشف عن مدى التدهور الكبير الذي آلت إليه، وبالتحديد مصالح الاستعجالات، فعلى غرار مستشفى ”نفيسة حمود”، تتجوّل الطواقم الطبية العاملة على مستوى المصالح الحساسة بزيّها الرسمي ضاربة عرض الحائط التدابير الوقائية التي تفرضها مهنتهم، والقاضية بتغيير لباسهم قبل الخروج من المصلحة، ولكن ما يجري هو أنهم يتوجهون مباشرة من ”القهوة” المحاذية للمدخل الرئيسي للمستشفى، إلى غرف المريض، وإن كانت المصالح تعطي شكلا ظاهريا بأنها نظيفة، إلا أن مرور القطط في مصلحة طب النساء والتوليد على سبيل المثال، يؤكّد مدى الإهمال الذي تعاني منه.
مناوبة طبيّة وسط الفئران
ومن المفارقات العجيبة، التي وقفت عليها ”النهار”، هو رفع طبيبة تعمل بالمؤسسة الصحية بالمدية، طلب تحويل من مستشفى البرواڤية إلى مستشفى ”نفيسة حمود الجامعي”، بعد أن وجدت فأرا كبيرا يداعب وجهها منتصف الليل، بعد أن غطت في نوم عميق، ولحسن حظّها أنّها تعرّضت لعضّة خفيفة، تسبّبت في إصابتها بانهيار عصبي حادّ.حادثة أخرى وقعت في باتنة، عندما استغلت الجرذان فرصة انعدام النظافة، لتفتك بمولود ميت، تمّ وضعه على جنب بعد وفاته بدقائق قليلة من إبصاره للنور، والذي لم يُكتب له أن يراه طويلا، ليتفاجأ الطاقم العامل بحجم الكارثة، ليوجه كل واحد أصابع الاتهام إلى الآخر، دون تحمّل المسؤولية.
رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصّحة البروفيسور ”مصطفى خياطي”:”المستشفيات تسير بدون قوانين ردعية والضحية هو المريض”
من جهته، أوضح البروفيسور ”خيّاطي” في اتصال بـ”النهار”، أنه من بين العوامل الأولى التي تتسبّب في انتشار الأمراض التعفنية الاستشفائية، انعدام عامل النظافة، والتسيير السيّئ للنفايات على مستوى مراكز العلاج، وهو الأمر الذي يؤدّي إلى وقوع مضاعفات صحيّة تؤثر سلبا على المرضى المقيمين في المستشفيات خاصة الماكثين في غرف الإنعاش، ومصالح التوليد، بحكم أن المرضى الخاضعين للاستشفاء لمدة طويلة، معرضون للإصابة بأمراض تتعلّق بالعوامل البشرية بالدرجة الأولى، وكذا نقص عامل النظافة.وقال خياطي، إنه في ظل غياب إحصائيات رسمية لعدد الإصابات بالأمراض الاستشفائية، يبقى المسؤولون عن القطاع مطالبين بمزيد من الصرامة فيما يخص الإجراءات الوقائية، التي يجب فرضها للحدّ من هذه الظاهرة الخطيرة التي تحصد أرواح عشرات الجزائريين سنويا.ومن بين النقاط السوداء التي لوحظت في الأوساط الاستشفائية، عدم احترام قواعد النظافة من طرف عاملات النظافة داخل قاعات العلاج، اللّواتي كثيرا ما يستعملن نفس المياه التي تنظف بها أماكن أخرى، ممّا يتسبّب في انتقال العدوى والجراثيم. بالإضافة إلى ذلك، أكد الأستاذ أن المستخدمين لا يحترمون قواعد النظافة عند انتقالهم من مصلحة إلى أخرى، خاصة تلك المعرّضة أكثر للإصابة بالجراثيم والأمراض المتنقلة كمصالح الإنعاش، على الرغم من توفّر موزعات الصابون السائل بعدة أماكن من المستشفى، وكذلك عدم احترام قواعد رمي النفايات الاستشفائية حسب مادّتها، كما أن الغرف تفتقر إلى أدنى الشروط، ما يجعلها من أكبر أوكار الميكروبات والجراثيم الخطيرة.