مشكلتي أنّي وصلت المحطّة بعدما انطلق القطار
كنت دائما الأنثى القوية القادرة على كبح جماح مشاعرها، حياتي كانت هادئة وسعيدة، كان ينقصها فقط الحب الذي كنت أتمناه وأخشاه في نفس الوقت، فأنا رغم ظهوري بمنظر الفتاة القوية إلاّ أن في داخلي فتاة هشّة ضعيفة لا تتحمّل الوجع والحزن ويكفيها ما يحزنها من أجل النّاس، لم أعش طفولة أو مراهقة، كنت دائما الفتاة العاقلة التي تقضى أغلب وقتها في المراجعة والمطالعة، عندما كانت الفتيات في سنّي ينشغلن بالحب، كنت أنا خلف كتبي أقرأ وأحاول أن أستوعب وأفهم.
دخلت الجامعة وهوس غريب يملؤني أن أجرب إحساس الحب وأحببت وانتهت قصتي بعد أربعة أشهر بالضّبط، لا أعرف إلى الآن هل كنت معجبة بحبه لي، أم أنّ شغفي بشهرته جعلني أشعر أنّني أحبه، سعيدة الآن جدا أنّني لم أتزوجه تخرجت وعملت في مؤسسة عمومية، حاول الكثيرون الإرتباط بي، لكّنني كنت أرفض، لأن وقتي كله كان لعملي، ولأنّني لم أجد رجلا يجعل دقات قلبي تتسارع إلى أن تقدّم شاب لخطبتي وفعل المستحيل لأوافق عليه، أعجبني إصراره وتمسّكه، خاصة أنّني لا أثق في حب النّاس ومشاعرهم، كنت أؤجل الأمر حتّى أفهمه أكثر، وعرفت أنّنا لن نستطيع أن نواصل بطريقته المسيطرة وحبّه المتملك فانفصلنا، وبعد أن تركته اكتشفت أنه كان يخونني وأنه اختارني فقط لأنّه وثق في وهو لا يثق في النّساء، احتقرته جدا وكرهت الحُب وقررت أن أبتعد عن الحب، كنت أعيش لعملي وأصدقائي، رغم حيرة كل الذين من حولي، فالحب صار بالنّسبة لي شبح أخاف منه وأهرب إلى أن ظهر، زميل جاد لا يحادث النّساء كثيرا، كنت معجبة به جدا، وفي نفس الوقت كان جزء منّي يغضب جدا لأنّه لا يهتم بي، كنت أتمنّى أن يصبح صديقي عندما وجدته هكذا منعزلا، بت أستمتع بالنميمة عنه مع زميلاتي لأفرغ شحنة غضبي عليه، لكن فجأة وعلى غير المتوقّع أصبحت أتكلم معه وأتحاور وأنا أعشق المثقف، نشأ بيننا رابط جميل جدا، تسارعت الأيام وأعلن لي حبه أصبت بالذّهول في البداية، كنت مصدومة جدا ومذهولة، وبعد أيام تحول ذهولي لارتباك وحيرة وتشتت، تعبت جدا، لكن في النّهاية عرفت أنّني أحبه وتمتعت بإحساسي الجديد، رغم معرفتي التّامة بأنّ له أخرى، زوجة تقاسمه الحياة وتسكن معي في قلبه، أنا لا أريد لها العذاب ولا أريد اقتسام حبيبي مع أحد، تعبت من تخيلها معي إلى جواره في حضنه في لحظاتهم الحميمة معا يتبادلان العاطفة المشروعة، صعب أن أتخيل أخرى مع حبيبي تتزين له وتهتم به وتنتظره وتهتم بتفاصيله الصغيرة وتحضر له جوربه وقميصه وتودعه على الباب بابتسامة وتقضي نهارها بانتظاره وهى مستمتعة يتركها خلفه، لا أستطيع أن أنسحب لا أستطيع مشاركته مع أحد سأحوله لصديق سأضع السم على جراحي وأصبر، أعرف أن شيئا في داخلي يقول لي إنّه هو الرجل الذي أنتظرته منذ مولدي، لكن لأسفي جئت في الزّمن الخطأ، أظن أنّ هذا هو نصيبي أن أحضر للمحطة بعد قيام القطار، ولا يكون لي نصيب إلاّ في التلويح لحلم وئد في لحظة حصولي عليه، لا ألوم أحدا ولا قدري، سأرقص حافية على جمر جراحي وأبتسم وأخفي أحزاني وسأخدع نفسي قائلة إن كثيرين عاشوا حياتهم وماتوا دون أن يجدوا الحب الحقيقي والشّغف بشخص حد الجنون، فأنا عرفت هذا الإحساس، ولا يهم بعد ذلك شيء.
متأخرة عن الحياة