منحته قلبي شبابي ومالي.. لأُفجع بأنه جلادي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدتي الفاضلة نور.. قد يصادف المرء في الحياة مشاكل عديدة، كما قد تهدمه أو تأتي على معنوياته أو حتى أن تخسره أشياء مادية سرعان ما قد يرمّمها الزمن وتنسينها الأيام ويعوّضنا الله خيرا منها، لكن أن تخسر المرأة حقها في الأمومة وهي على وعي وإدراك تام بأنها لن تحمل أبدا في حياتها أمرا سيمزّق وجدانها ويبكي فؤادها كلما لمحت عيناها طفلا يصرخ أو يضحك، والأمرّ أنها في كل مرّة ستتذكر أن السبب هو شخص وضعت فيه كل ثقتها وأحبّته حدّ النخاع..نعم سيّدتي.. كنت شابة في مقتبل العمر، حين تعرفت عليه، كان في غاية البساطة لا يملك شيئا سوى قلبا أوهمني بحب أسطوري، أعماني عن الحقيقة وجعلني أراه الوحيد في هذا العالم، حتى لما كان يطلب مني أموالا لم أكن أرى في ذلك فعلا غير رجولي؛ بل كنت أهرول لمساعدته بكل حب وشوق ظنّا مني أني أساند الرجل الذي وعدني بالزواج والذي سيوفّي بوعده لي في يوم من الأيام، وقفت إلى جانبه مرارا وتكرارا وفي مواقف مختلفة حتى أني عملت المستحيل لأساعده في الحصول على عمل، وُفّقت في ذلك وما توفيقي إلا باللّه وثم معارفي بعد ذلك الذين كانوا سببا في أن يصبح فردا في مؤسسة مهمة، لكن المسكين كان في بداية مشواره ولابدّ عليه أن يجد من تشاركه بناء حياته لكي يستعدّ لإتمام نصف الدين، تقدم لخطبتي لكن صدّقيني إن قلت لك أني أبدا لم أكن فتاة أحلامه وسأقول لك لم..؟،تقدّم لخطبتي ووافق أهلي على اعتبار أنه رجل شهم ومن عائلة أصيلة موظف ولا ينقصه شيء، أما فيما يخصّ السكن فتلك كانت مشكلة الجميع، كانت فرحة لا تضاهيها فرحة وشعور لا يوصف، كيف لا وأنا قد فزت بفارس أحلامي دون أن أعلم أنه سيكون معذّبي ومحور آهاتي، هل تصدقي سيدتي أني من شدة الفرح قبلت أن أتزوّجه من دون مهر..؟، فأنا كالبلهاء صدّقت وعوده حين قال أنه سيمنحني إياه بعد الزواج؛ أي بعد أن يعمل لبضع شهور ويتمكن من توفيره، رحّبت بالفكرة وقلت إن الحياة أساسها التفاهم والودّ وليس كم أعطاني وماذا قدّم لي..؟، فأنا لم يكن يهمني وقتها إلا أن أجتمع مع من اختاره قلبي ورأى فيه فارسا لأحلامه، حاولت عائلتي نصحي وإرشادي لكني مثل العاشقة المراهقة كنت أستغلّ حب أهلي لي وأختلق لهم المبررات ليبقى الرجل الذي اخترت في أبهى صوره وفي قمة العفة والصفاء، لكن هيهات لقلبي الذي عمي بصره من شدة الحب.. وهيهات لرجل لم تردعه أخلاقه عن التمادي في أذيتي دون حسيب ولا رقيب.توالت الأيام وبقيت أنا أوهم نفسي أنه حقا يحبني وأن الظروف فقط من منعته من أن يقدّم لي ما يجب أن يقدّمه الزوج لزوجته من ماديات، فشعاري كان الحب والحب قد وجدته لكن من قلب ينبض بأنانية، وجاء اليوم الموعود.. يوم زفافي.. كنت أسعد عروس يومها، كيف لا وأنا أُزفّ إلى الرجل الذي تمنيت، ولكن كما يقال فإن عمر الفرح قصير، فلا أنا ولا أهلي استقبلنا كما يجب من طرف من ظننتهم أهلي وتنازلت مع ابنهم عن معظم حقوقي، لكنهم للأسف لم يقدّروا كل ذلك؛ فأنا لم أحظ ولو بحفلة بسيطة تعبّر عن فرحتهم بي ولا حتى بأهلي الذين لم يجدوا أين يبيتون لأن أهل الرجل كانوا من منطقة غير التي أنحدر منها، حينها فقط بدأت أشعر بإحساس رهيب؛ بثّ في قلبي الريب وأفقدني الأمان، يومها وبعد أن علم أبي بما جرى اتصل بي وطلب مني العودة قبل فوات الأوان؛ وكأن قبله أحس بأن الآتي أمرّ من العلقم..لم أأبه لكلامه وعاد أهلي أدراجهم وبقيت أنا في بيت زوجي وكلي خوف، وعزائي الوحيد أني مع الرجل الذي أحب والذي لم يحبنّ أبدا، وبدأت بعدها المشاكل والنزاعات مع أهله وكان في كل مرّة يدعوني إلى الصبر معه، ولم أكن أدري أن هدفه من ذلك أموالي ومجوهراتي التي كان يخطّط لسلبها مني أيضا ليلقي بي في الشارع صفر اليدين، المهم صبرت ولم يكن بيدي حيلة إلا الصبر، وبعد بضع أسابيع؛ أحسست أن شمس التحرّر من سيطرة أهل زوجي قد سطعت، وأني تمكنت من السعادة بكل جوانبها، فقد تأكد لي بأني حامل وأنه في بضع أشهر سأحمل بين يدي ثمرة حبي وبهجة حياتي، ولم أكن أعلم أبدا أن النهاية قد قربت، فالخبر وقع على زوجي مثل الصاعقة التي أطفأت شمعة المستقبل وقضت على حلمي في الأمومة، فبدأ يفتعل المشاكل من الحين إلى الآخر، ليس لشيء إلا لأنه لم يكن يرغب في أن يربطني به شيء ولو كان هذا الرابط طفل بريء يذكّره بي لأنه في الواقع لم يحبنّ ولم يكن ينوي أن يكمل حياته معي، فجاء اليوم المشؤوم اليوم الذي انتهت فيه فرحتي وانهارت فيه كل آمالي، فذات يوم وبعد سوء تفاهم اشتد بيننا الكلام فانهال علي ضربا وكأنه كان يتقصّد أن يوجه كل عنفه وقوته على بطني وبلغ مراده وفقدت حملي، وليت الأمور أتت على هذا فحسب، فبعد أن أخذني إلى المستشفى أكدوا لي أني كنت أحمل توأما، لقد كان حقا شعورا مريبا لا تصفه الكلمات مهما قلت..طلبت بعدها الذهاب إلى بيت أهلي، وافق وبريق الفرحة ظاهر في عينيه، ولم يكلّف نفسه حتى أن يرافقني إلى محطة الحافلات؛ بل سوّلت له نفسه أن يتركني أتألم وأنا لا أملك سوى تكلفة السفر وقارورة ماء، عدت إلى أهلي بعد أن أماط اللثام عن نيته وبعد أن تحصّل على كل شيء لكن الأمر الذي لن يتحصل عليه مدى الحياة نخوة الرجال وشهامتهم لأنها لم ولن تكون أبد من شيمه، وأصبح الطلاق الحل المنطقي لأتخلّص من وحشيته ومن خططه الأنانية ومن حياة كتلك التي كنت أعيشها، وكان الطلاق بمثابة الصدمة التي دمّرت عائلتي وأتت على معنوياتهم؛ باعتبار أن الطلاق أمر لا يجب أن تقع فيه المرأة حسب عادات منطقتنا، لكنه الحل الوحيد للخروج من جحيم رجل لم يشفع لحبي الكبير له ولم تشفع لي غريزة الأبوة لديه، ولن تصدقي سيدتي إن قلت لك أنه لم يتأخّر وقد تقدّم لخطبة إحداهن قبل حتى أن تتمّ إجراءات الطلاق.. ولن تصدّقي إن قلت لك أن الأموال التي أخذها مني والمجوهرات التي سلبني قدّمها مهرا للفتاة التي خطب وهي كانت على علم بكل شيء، لكن حسبي الله ونعم الوكيل..في خضمّ كل هذا الجرح والألم جرّاء إجهاضي وطلاقي والمشاكل التي حلّت على عائلتي نسيت أن أعتني بحالتي الصحية؛ فلم يكن يهمني سوى أن أتخلّص من ذاك الوحش ومن الكابوس؛ ولم أقم بالإجراءات الوقائية اللازمة بعد الإجهاض، وهذا جعل وضعي الصحي يتعقّد إلى أن اكتشفت أنني أعاني من سرطان في الرحم، عالجت كثيرا لكن للأسف كل الأطباء رأوا أن الحل للعلاج هو استئصال الرحم للتخلّص من الورم وهذا بالطبع سيحرمني من أن أكون أما وأسمع كلمة “ماما“، هل يُعقل سيدتي أن تغتال أحلامي على يد من ظننته حبيبي وضحيت لأجله بكل غال ونفيس، هل يُعقل سيدتي أن تكون هذه نهايتي بعد أغدقت في الحب؟..هذه قصّتي وتلكم هي مأساتي، صدّقيني سيدتي إني راسلتك أولا ثقة في مساعيك النبيلة للترويح على القلوب التي جرت عليها الآهات، وكذلك لتكون عبرة لكل القرّاء؛ علّها كانت درسا لكل من يفكّر في أن يخطأ أو لكل من يرى نفسه في طريق الخطأ..
المجروحة “ت” من الوسط