مواد كيماوية قاتلة عمرها ربع قرن مخبّأة في براميل داخل دار شباب!
تعيش عشرات العائلات بقرية «الشباب» التابعة لبلدية الطالب العربي الحدودية بولاية الوادي، حالة من الرعب واليأس الشديدين، إزاء الخطر المحدق بحياتهم وحياة أبنائهم وإبلهم، وهاجسا يوميا يفرض عليهم الموت بالمرض الخبيث «السرطان»، والذي باتت أعراضه تظهر على عدد من المواطنين، وتدق المسامير في نعوش الأطفال والنساء والشيوخ، وتهدد الحيوان والنبات، بفعل تلوث المحيط وانبعاث روائح نفايات كيميائية مخزنة داخل براميل وأكياس بلاستيكية تم وضعها في إحدى المقرات العمومية المهجورة، والتي كان من المفروض أن تكون مقرا ترفيهيا لشباب المنطقة، لكنه تحوّل إلى قاتل حقيقي لسكان قرية الشباب .
«النهار» وفور وصول نداء الاستغاثة من طرف المواطنين، تنقلت إلى عين المكان ووقفت عند حجم الكارثة الكيمائية الموجودة، والمتمثلة في مئات البراميل وأكياس من البودرة الكيميائية استعملت سنة 1989 و2007 كمبيدات لمكافحة انتشار الجراد، وبعد انتهاء عملية المكافحة تم تحويل الكميات المتبقية من المبيدات إلى محشر البلدية، لكن ظهور أمراض غريبة وحالات سرطان لدى سكان الطالب العربي وعدد من عمال محشر البلدية دفع السلطات المحلية إلى نقلها في أواخر 2009 إلى قرية الشباب ووضعها في مكانها الحالي، والمتواجدة على بعد أقل من 10 أمتار عن المجمع المدرسي للقرية، من دون أي مراقبة ولا دراية بما يمكن أن تصبح عليه هذه المواد الكيميائية التي تحللت مع الوقت، وأصبحت تصدر منها روائح غريبة تؤثر على الإنسان والحيوان، كما أن أكياس البودرة بعد تعرضها للرطوبة تفاعلت وتسببت في إتلاف الجدران. وما يميز هذه المواد الكيميائية أنها تؤثر بشكل سريع في الجهاز التنفسي لكل شخص يقترب منها، حسب تصريحات السكان، والذين أكدوا أن عددا من الرعاة قد استغلوا خلوا المكان من أي حراسة وقاموا بأخذ عدد من البراميل بعد رمي المبيدات في الأرض، محدثة تفاعلا غريبا في مكان تواجدها يمكن أن تكون له آثار سلبية على النبات في هذه المنطقة الرعوية، كما أن هذه المبيدات تحمل شارات تدل على خطورتها وتحذر من الاقتراب منها من دون استعمال وسائل السلامة.
إصابة 3 تلاميذ بمرض السرطان في قرية الشباب
ولعل الكارثة العظمى بالقرية، هي أن هذه المبيدات الحشرية يقع مكان تجميعها على بعد عدة أمتار فقط من المجمع المدرسي لقرية الشباب، الذي لا يحمل أي اسم ولا حتى الراية الوطنية، إذ أكد أولياء التلاميذ إصابة ثلاثة أطفال بمرض السرطان، منذ وضع هذه المواد بقريتهم، كما أن مريضة تم تحويلها إلى مستشفى ورڤلة للمعالجة الكيميائية بعد أن تم تأكيد إصابتها بمرض السرطان، ودق سكان القرية ناقوس الخطر من ارتفاع عدد الإصابات، كون جميع أبنائهم يلعبون ويدرسون بجوار هذا المكان الذي أصبح سما قاتلا، إضافة إلى أن جميع التلاميذ يتناولون وجباتهم بجوار هذا المكان وفي بعض الأحيان داخله، في ظل انعدام حراسة عليه، وتم حرمانهم من ممارسة مادة التربية البدنية نظرا لانتشار روائح المبيدات بالمدرسة قصد حماية التلاميذ منها، كما سجلت، في السنوات الأخيرة، عدة إصابات بالتشوهات في الأجنة لدى الحوامل، إضافة إلى تغيّر في السلوك واختلاف في مواعيد الولادة، لم تكن موجودة قبل تحويل هذه المبيدات الكيميائية إلى الجهة، وأكد مدير المجمع المدرسي أنه قام بمراسلة السلطات الصحية بدائرة الطالب العربي، ممثلة مدير المؤسسة الاستشفائية بالطالب العربي، قصد الوقوف عند القضية التي اعتبرها خطيرة جدا.
.. وحتى الإبل لم تسلم من إشعاعات المواد الكميائية
وفي حديث إلى «النهار» خلال نزولها للميدان مع عدد من الرعاة الذين كانوا يملكون المئات من رؤوس الإبل، فقد أكدوا أن الإبل أصبح يغمى عليها، خاصة التي ترعى في هذه المنطقة، كما أن نسبة نفوق الرؤوس ارتفعت بشكل كبير جدا، من دون تحديد سبب نفوق إبلهم، فقط أنها ترعى بجوار هذه النفايات الكيميائية التي تنتقل بسهولة مع حركة الرياح ووجود كميات تم سكبها في الأرض، بعد أن تم استغلال براميلها في تعبئة المياه التي يستهلكها الحيوان والإنسان على حد سواء بهذه المناطق، وطالب الرعاة بالتحقيق في أسباب زيادة نفوق رؤوس الإبل بالجهة، وإذا كان السبب هو هذه المواد الكيميائية فإنه أصبح لزاما إتلافها وإبعادها عن الجهة، خاصة أن إبلهم هي مصدر رزقهم من خلال حليبها ولحومها التي أصبحت مسمومة سبب الكارثة الكيميائية الموجودة بقرية الشباب، أمام مرأى ومسمع جميع السلطات التي لم تحرك ساكنا.
قطاع الصحة: «عاينّا الوضع ووصفناه بالخطير في مراسلاتنا للوصايا»
من جهته، قطاع الصحة بالطالب العربي سخر، منذ سنوات، عدة فرق طبية إلى قرية الشباب لمعاينة الوضع، وأكدت جميع تقارير لجان المعاينة بأنه غير صحي وله آثار خطيرة على صحة الإنسان، وتم تبليغ الوصاية بها، وصدر في سنة 2008 أمر شفوي من الوالي بضرورة التكفل بهذا الإشكال في أقرب الآجال، لكن بقيت دار لقمان على حالها، ويقتصر النشاط الحالي لمصالح الصحة في مجال الصحة المدرسية، وكذلك الفرق المتنقلة التي تقدم غالبا أدوية الحساسية للسكان الذين أصبح أغلبهم من أصحاب الأمراض المزمنة، فيما يتم تحويل الحالات المصابة بمرض السرطان إلى عاصمة الولاية، أين يتوفر العلاج الكيميائي. وحسب مصدر مطلع، فإن مصالح الدرك الوطني عاينت مكان تواجد النفايات ونوعيتها، وقامت بإخطار المصالح الفلاحية والولاية سنة 2008، وطلبت فرقة حماية البيئة بعدم دفن هذه المواد تحت الأرض كونها تؤثر بشكل خطير على المياه الجوفية، وكذلك عدم تركها عرضة للهواء ولا حتى فتح البراميل، ومنع اقتراب أي شخص منها إلا بوجود وسائل السلامة، كما أكد ذات المصدر أنه يشترط على الممون خلال تسلم هذه المبيدات التكفل بالكمية المتبقية من خلال إعادتها إليه كونه يملك أماكن الحفظ المخصصة لها وله دراية بكيفية إتلافها أو إعادتها لمكان التصنيع. وفي ظل ذلك، يبقى سكان قرية الشباب ببلدية الطالب العربي وسط تهديد حقيقي لهذه النفايات الكيميائية، ما لم تجد طلباتهم آذانا مصغية.