وقفة مع النفس
كل شيء له بداية ونهاية.. البداية مفرحة والنهاية محزنة، البدايات قوية والنهايات ضعيفة، الأوائل أهل خير وإيمان والأواخر أهل شر ومعاص، ونعوذ بالله من شر النهايات ومن شر هذا الزمان.
فآخر رمضان خير وأفضل من أوله، فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفيها أنزل القرآن، ومن قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ولله فيها عتقاء من النار، لكن .. ها قد غادرناه وخرجنا عنه وانتهى، فانتهى وانقضى زمن الخيرات، وأتى زمن أقل ما فيه أنه ليس مثل رمضان، فمن لم يغتنم شهر الخيرات، فقد فوت الفرصة، وليس في علمنا بل في علم الله إن كنا سندرك رمضان الآتي قبل أن يأتي هادم اللذات ومفرق الجماعات، فيختطف أرواحنا وتنتهي أيامنا ويطوى كتاب حياتنا، فنصرخ: وا أسفاه على أيام فرطنا فيها.
إن ذهاب الأخيار والصالحين، وإن ذهاب الأزمنة المباركة، لمن نُذر الشر، ومن دواعي الحزن والأسى، شهر كنا فيه إلى الخير أقرب، وعن الشر أبعد.. شهر كنا فيه صياما قياما متصدقين نتلو كتاب الله.. شهر قصَرنا فيه عن الخصومات وآثرنا فيه التناصح والتكافل والأخوة.. شهر تقللنا فيه من عمل الدنيا وأقبلنا فيه على عمل الآخرة.. شهر تضاعف فيه الحسنات.. شهر تصفد فيه الشياطين، ويعتق الله فيه عباده من النار، والله تعالى يجزيهم على أعمالهم بغير حساب.. شهر كله رحمة ومغفرة، من أين لنا شهر مثله إذا مضى وذهب؟ وإن كان سيأتي عام آخر وآخر، فهل نحن ضامنون أن نعيش حتى نبلغه ونغتنمه؟
بكينا فرحا لدخوله، واليوم نبكي حزنا على خروجه، كما بكى المسلمون فرحا برسول الله حين دخل المدينة، ثم بكوا حزنا حين موته، فعسى الله أن يتولانا برحمته ويتقبل منا العمل ويتجاوز عن الزلل، هو أرحم الراحمين.
فإذا نحن خرجنا من رمضان بغير تقوى فما صامت إلا بطوننا، وهذا ليس لله فيه حاجة، وهو الغني.. إننا بعد انقضاء الشهر الكريم مرّ علينا مرور الكرام، مرّ سريعا وانقضى سريعا، وذلك حقا ليحزن قلب المؤمن، كم يتمنى المرء أن أيامه امتدت وأن ساعاته تباطأت وأن لحظاته تثاقلت، كي تنعم النفس بها وتتلذذ بدقائقها، فوالله إنها لحلوة لذيذة، وإن فراقها لعسير على القلب، فالليل بعده يشكو قلة الساجدين والنهار يشكو قلة الصائمين، والفقراء يشكون قلة المتصدقين، والقرآن يشكو كثرة المعرضين عنه تلاوة وعملا، والأرض تبكي على فراقه، فالأرض تبكي على فراق الصالحين الطائعين، والطائعون في غير رمضان هم الغرباء.
اللهم تقبل منا الصيام والقيام وقراءة القرآن والصدقات.. وبلغنا رمضان لأزمنة مديدة وأعوام عديدة.
@ ليلى/ باتنة