وليتُ هاربة لأن مجلس العلم والأستاذة لم تكن سوى مصيدة
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.. أما بعد: أمي نور.. أنا في أمس الحاجة إلى مساعدتك بعدما تصرفت بحماقة وكاد الطيش والتهوّر يقضيان عليّ، لأني عصيت أمر والدتي وانتهجت السبيل الذي حذّرتني منه، فكاد الدمار يطالني لولا أن رحمة اللّه الواسعة شملتني وعنايته الفائقة حالت في آخر لحظة دون وقوع الكارثة .أنا فتاة في الثامنة عشر من العمر، متفوقة في دراستي، وعلى أهبة اجتياز امتحان البكالوريا، هذا الأخير بات هاجسي والضالة الواجب تحصيلها، لأني شغوفة ومولوعة بالعلم والمعرفة ولا أرى مستقبلي في غير ذلك، مما جعلني شديدة الاهتمام بهذا المجال، لقد ورثت هذا الحب والشغف عن والدي الباحث في مجال الفزياء وأمي الجراحة المتمكنة في مجال تخصصها، لقد أكرمني اللّه بالانتماء لأسرة طيبة صالحة، فنشأت على الاستقامة والصراحة وحب اللّه وطاعة الوالدين، لقد زرعا في قلبي أسمى الخصال التي يجب على المسلمة التّحلي بها لإيمانهما بالمسؤولية الملقاة على عاتقيهما، فعلا الشيء نفسه مع إخوتي، ولأني الأكبر فقد أحاطاني بمنتهى الرعاية، إلا أني في نهاية المطاف اعتبرت كل هذا تضييقا في غير محله وحدّا لحريتي الشخصية، لأني مُلزمة بطلب الإذن قبل الإقدام على أي تصرف مهما كان بيسطا، لذا فإني لم أرافق زميلاتي اللواتي طلبن مني مصاحبتهن إلى بيت أستاذة نابغة من أجل الاستفادة من خبرتها، فهذه الأخيرة تقدّم دروس الدعم وكل من يتردّد عليها يضمن النجاح في البكالوريا.لم تقتنع والدتي بهذه الفكرة، لأني في نظرها لست في حاجة إلى هذا الدعم ـ كانت محقةـ، لكن الفضول جعلني ولأول مرة لا أبالي بكلامها، فألقيت به خلف ظهري وأسرعت مع زميلاتي نحو مجلس العلم الذي لم يكن كذلك، بل مكيدة دُبرت لكي يعمّ الفساد وتنتشر الفاحشة، تفاجأت لمجرد دخولي بوجود أربعة شبان كانوا في استقبالنا، فكل منهم انفرد بواحدة، لأجد نفسي وحيدة، فاتجه نحوي رابعهم وقادني بكل هدوء إلى إحدى الزوايا، لم أستطع أن أتكلم معه من فرط الدهشة والذهول، لكنه هوّن عليّ الأم، وقال إن الجميع بصدد انتظار الأستاذة التي تأخرت في العودة، لقد عرّفني بنفسه وادّعى أن والدته صاحبة البيت هي المعنية بتقديم دروس الدعم، كلامه بعث في قلبي القيليل من الراحة لكني سرعان ما ارتبت في الأمر ثانية، بعدما لاحظت اختفاء زميلاتي، فلم يظهر لهن أثر، سألته عن سب غيابهن ولم أمنحه الفرصة لكي يجيبني، بعدما تأخر في ذلك، فتأكدت أنه يبحث عن كلام يقنعني أو بالأحرى لكي يستغفلني، مثلما فعل المرة السابقة، هذا ما جعلني أسرع نحو الباب لأهم بالهروب، لكن محاولتي باءت بالفشل، لأن الباب الحديدي كان مغلقا بإحكام، حاولت الخروج فلم أتمكن، فإذا بالشاب يتبعني ويطالبني بالهدوء، لكي يشرح لي الموقف فلم أمنحه الفرصة، هدّدته بالصراخ وفضح أمرهم إن لم يفتح الباب، فما كان منه سوى الرضوخ لرغبتي خوفا وليس طواعية، فهرولت مسرعة بالكاد أحمل نفسي من فرط الرعب، وحمدت اللّه الذي أخرجني سالمة فلم يمسن السوء أبدا لأن نيتي كانت تحصيل العلم ولا شيء غيره.دخلت البيت ومن حسن حظي، أني لم التق بأي من أفراد عائلتي، فقضيت فترة ما بعد الزوال في هدوء استرجعت أنفاسي، وحمدت اللّه أن الذي حدث مضى وانقضى، وأن اللّه كتب لي النجاة لحاجة يعلمها، لقد أعلنت القطيعة وتجنّبت زميلاتي اللاتي كدن لي، على الرغم من ذلك، يعذّبني ضميري كثيرا، وأخشى أن يفتضح أمري، علما أني أدركت خطئي ولن أعيد الكرة مهما كان الوضع، على الرغم من ذلك أجدني حائرة، فماذا أفعل بهذا الفكر المشوش الذي حرمني من التركيز، وأنا في أمس الحاجة إلى هذا الأمر، خاصة وأن الموعد قد حان لتقرع الأجراس معلنة بداية امتحان البكالوريا.
“س” من العاصمة
الرد:
الحمد اللّه الذي كتب لك النجاة من بين براثن الذئاب، والشكر للعلي القدير الذي أخرجك سالمة رأفة بك ورحمة بوالديك، جزاء لحسن تربيتهما وخشيتهما من اللّه أما بعد: أخطأت خطأ كبرا بمعصية أمر والدتك، لذا الجئي إلى اللّه واطلبي منه العفو وتقرّبي إليه بالشكر، لأنه أمدّك بالعون والستر، فلولا قدرته ما كان لعديمة الخبرة مثلك أن تتمكن من الفرار من قبضة وحش كاسر، بنيتي، ما حدث لك ليس هينا، نتيجته ما تشعرين به الآن من قلق وتوتر، فمن الطبيعي أن تكوني على هذا الحال، إنه وقع التجربة القاسية، التي كادت تقضي على مستقبلك وشرفك، عزيزتي.. لأني في مقام والدتك أقول لك:تماسكي ما استطعت وما تيسّر لك من ذلك، فوّضي أمرك إلى اللّه واسأليه العون، انكسري وأقري بذنبك جراء عدم الامتثال لأوامر الوالدة، وتوبي تعودي كمن لا ذنب له، لا تيأسي أبدا من رحمته، وأنت العارفة بأن اللّه رحيم كريم وأقرب إلينا من حبل الوريد، وإنما يخشى اللّه من عباده العلماء، وأنت طالبة علم، غرّر بك ولم تكن نيتك مسبقة البتة، فتعلّمي من هذا الدرس جيّدا ولا تأمني لأي كان بعد الآن.أحسنت التصرّف بابتعادك عن رفاق السوء، فهذا الأمر سيعود بك إلى مصاف طلاب العلم كما عهدت نفسك سابقا، الذين لا يغريهم من الدنيا سوى تحصيل غايتهم بالطرق المشروعة وتحسين مسيراتهم العلمية واكتساب الخبرات، لذا تخلصي من تلك الرواسب ولا تقفي عند هذه المحطة، فالوقوف محلك سيعود بك من حيث لا تعلمين إلى الوراء، تخلصي من هذه المشكلة العارضة وتعلمي كيفية السير قدما نحو الأمام بطرق صحيحة سليمة، و تأكدي أن اللّه خلق الإنسان يخطئ ويتوب وخير الخطائين التوابون.استعدّي لخوص غمار هذا الاستحقاق العلمي، أتمنى ألا تفشي سرّك لأحد، تحصّني بالذكر والتقرّب إلى اللّه واسأليه أن يفتح لك وعليك فتحا مبينا.
ردت نور