لأجلك عشنا يا وطني ومن أجلك نموت

 لأجلك عشنا يا وطني ومن أجلك نموت

كلام من القلب

لا بد من الحنين والشوق للمُستقر ومسقط الرأس، فالوطن كالأم التي يأوي إليها الصغير عند انحدار شمس الأصيل إذا مالت نحو الغروب، فيعود إليه البعيد بدموع تذرف على خده شوقا لوطنه الذي تربى فيه، واستنشق هواءه، واستظلّ تحت سمائه، إنه يشتاق إليه اشتياق الأرض الجدباء إلى قطرات المطر، بل شوق المسافر للماء البارد بعد أن ألهبته حرارة الشمس الساطعة وذرات الرمال الحارة.

 إنه يحنّ إلى وطنه حنين الأم لطفلها الرضيع إذا صرخ، والمريض إذا أنّ، والبعيد إذا طال غيابه، فالوطن حضن دافئ لا يمل، وذراع قوية لا تكل، وحصن متين لا ينهد، فيه الأمن والأمان، هو المسكن الواسع، لا يئن لجمعهم الغفير، ولا يضيق إذا كثروا، ولا يتضجر إذا بقوا، ولا يسأم إذا ظلّوا فيه مدى حياتهم، هو المركب الهنيء بخضرة أشجاره، ونقاء هوائه، وروعة أخلاق أهله، فيه تطمئن النفس وتستقر، ويرتاح البال ويفتخر، ويستكين الفؤاد وينبهر بروعة جماله الخلاب، تكلم عنه الأدباء وأطنبوا، حمايته واجب، والذود عنه فريضة، والقيام بخدمته طاعة، والرجوع إليه شوق ومحبة.

 يظن البعض أن حبّ الوطن كلام يترنم به، وشِعر ينظّم فيه، متناسيا أن حبّ الوطن قول وعمل، حبّ وتفانٍ، جد وإخلاص، أثبتته الأيام، وشهدت به الليالي وحكم به الواقع، إن كل آدمي له وطن يهواه، له أرض يحنّ إليها ويفتديها بالنفيس والغالي، قيل «ثلاث خصال في ثلاثة أصناف: الإبل تحنّ إلى أوطانها وإن كان عهدها بها بعيدا، والطيرُ إلى وكره وإن كان موضعه مجدبا، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر نفعا».

 إن أحسن مواطن هو الذي يقول ويعمل، يجدّ ويجتهد، يأخذ ويعطي، يُفيد ويستفيد، إذا حكم، حكم بعدل وإنصاف، وإذا ذاد عن وطنه، ذاد بحبّ وإخلاص، وإذا أوكلت إليه المسؤولية، تحمّلها بأمانة فلا يفرّط بها، بل يؤدّيها على أكمل وجه، ما إن يُمسك منصبا إلا وكان الأجدر والأنجح والأفضل في عمله، الجلوس معه راحة، والسير متعة، والكلام يفيد، لهذا يكتبه التاريخ في أعلى صفحاته، تتبادل ذكره الألسن، وتُحكى سيرته للأبناء، فيخلد ذكره مدى العمر، ويُدعى له بالرحمة والمغفرة كلما مرّ على طرف لسان.


التعليقات (1)

  • حل وحيد

    مقال رائع

أخبار الجزائر

حديث الشبكة